المواطن نت- قصة قصيرة للكاتب نعمان المونسي
كانت الشقة هادئة بشكلٍ مستفز، من ذلك النوع الذي يجعلك تسمع طنين أذنيك بوضوح. وقف ياسين في منتصف الصالة. لم يكن ثمة تأمل، فقط فراغ أبيض أضاع فيه سبب مجيئه.تحسّس جيب معطفه، فأخرج تذكرة باص قديمة، باهتة الأطراف. تذكّر ذلك اليوم لا كلوحة فنية، بل كشريط من الفوضى. تذمّره من الزحام، دفعه يد ابنته الصغيرة لأنه كان يحاول الرد على بريد إلكتروني “عاجل” لم يعد يتذكر محتواه الآن. مسح طرف التذكرة بإبهامه وهمس بمرارة “يا للغباء”.كانت الرائحة التي ملأت المكان رائحة خبز الطاوة الذي اعتادت زوجته أن تحرقه وهي تحادثه بتفاصيل يومها المملة. مدّ يده ليلمس الهواء، رغبةً يائسة في أن يصفع نفسه على كل ثانية أضاعها في النظر إلى شاشة هاتفه بدل النظر في عينيها. وحين وقعت عيناه على انعكاسه في المرآة القريبة، أدرك أن وجهه شاخ عشر سنوات في لحظة واحدة.اتجه نحو الخزانة، وجرّ الصندوق الخشبي الذي كان يئن تحت وطأة الغبار. فتّش في الصور كمن يبحث عن دليل إدانة ضد نفسه. أطفأ الأنوار، فالظلام وحده كان قادرًا على ستر خيبته.في العتمة، لم تنبت أشجار في الغرفة، لكن تهيّأ له أنه يسمع حفيف ثوب زوجته وهي تمر بجانبه. شعر بثقل وهمي على كتفه، كأن ابنته قررت أخيرًا أن تكمل نومها عليه. ظل متجمّدًا، يتنفس ببطء، خائفًا من أن تفرقع عظام ظهره فتفسد هذا الوهم اللذيذ.سقطت صورة من يده. كان صوت ارتطامها بالأرض عاديًا، لكنه في أذنه بدا كتحطّم زجاج. فتح عينيه، فرأى الغرفة كما هي. جدران باهتة، وكرسي فارغ، وصمت لا يرحم. نظر إلى الصورة الملقاة مقلوبة، ولم يسرع إلى التقاطها.مع أول خيط للفجر، لم تهبط عليه حكمة مفاجئة كما في الحكايات. كان فقط متعبًا، متعبًا من مطاردة أشباح لا تريد العودة. فتح النافذة، فلفحه برد الصباح الحقيقي الذي يقرص الجلد. لاحظ أصيص ورد جافًا تمامًا لم يسقه منذ شهور، وبجانبه نبتة صغيرة نبتت من العدم.لم يفكر في كاميرا أو كلمات منمقة. نظر إلى النبتة وفكّر “هذه حيّة… أنا لست كذلك”. أغلق الصندوق الخشبي، كإغلاق ملف قضائي انتهى بالفشل. جلس على الكرسي، وأخذ نفسًا طويلًا من هواء الصباح الملوّث قليلًا بعوادم السيارات، وشعر، للمرة الأولى منذ دهر، ببرودة الهواء الحقيقية في رئتيه.




























