المواطن نت- صحيفة الثوري
أطلق المركز الأمريكي للعدالة (ACJ)، دراسة حقوقية واستقصائية موسعة بعنوان «غيابٌ مقصود: استراتيجية الإخفاء القسري وشبكات مراكز الاحتجاز السرية في اليمن»، تناول فيها واقع الإخفاء القسري وشبكات الاحتجاز غير الرسمية التي قال إنها أُديرت من قبل أطراف مختلفة في النزاع اليمني.
وخلصت الدراسة إلى أن الإخفاء القسري في اليمن لم يعد، وفق ما وثقه المركز، مجرد إجراء أمني عارض، بل تحول إلى ممارسة ممنهجة تستهدف إخضاع المجتمع وتغييب شخصيات مدنية وسياسية وناشطين، بالتوازي مع استغلال معاناة الأسر كمورد مالي من خلال الابتزاز وفرض مبالغ مالية مقابل الحصول على معلومات عن مصير المحتجزين أو تقديم وعود بالإفراج عنهم.
ورسمت الدراسة خريطة لمراكز احتجاز سرية قالت إنها موزعة في عدد من المحافظات، مشيرة إلى تحويل منشآت حيوية ومدنية إلى أماكن احتجاز خارج نطاق الرقابة القانونية، ومن بينها مجمع سجن الصالح في تعز، ومعتقل جهاز الأمن والمخابرات في صَرِف بصنعاء، وشبكة سجون معسكر بئر أحمد وقاعة وضاح في عدن، إلى جانب سجني مطاري الريان بالمكلا والغيضة في المهرة.
كما رصد المركز، بحسب الدراسة، أنماطاً من التضليل الإداري والنفسي تهدف إلى عرقلة الوصول إلى المخفيين وقطع مسارات التتبع، بينها النقل الدوري المشدد للمحتجزين، والحد من الدور الرقابي للقضاء، واستهداف المحامين.
وأشارت الدراسة في هذا السياق إلى واقعة إخفاء المحامي عبدالمجيد صبرة، وإلى قضية السياسي محمد قحطان، الذي قالت إنه مخفي قسراً منذ أبريل 2015، معتبرة أن ما وصفته بـ«التنصل المتأخر من المسؤولية» وطرح روايات غير مثبتة أسهما في إطالة أمد معاناة الضحايا وأسرهم.
وأبرز المركز التداعيات الاجتماعية والاقتصادية للإخفاء القسري، موضحاً أن تغييب المعيلين يدفع أسرهم إلى أوضاع اقتصادية بالغة الصعوبة، ويجبر بعضها على بيع الأصول والممتلكات لتغطية تكاليف البحث عن ذويهم أو الاستجابة لمطالب الابتزاز المالي.
ووفق الدراسة، لا تقتصر آثار الاحتجاز والإخفاء على الضحايا المباشرين، بل تمتد إلى أسرهم ومجتمعاتهم، مع استخدام احتجاز الأقارب، بحسب المركز، وسيلة للضغط على المهجرين والناشطين خارج البلاد، بما يؤدي إلى إضعاف شبكات التكافل الاجتماعي والدعم المالي.
وفي الجانب القانوني، قدمت الدراسة تكييفاً للوقائع التي وثقها المركز باعتبارها، بحسب تحليله القانوني، جرائم حرب وفق المادة (8) من نظام روما الأساسي والمادة (3) المشتركة من اتفاقيات جنيف، وجرائم ضد الإنسانية بموجب المادة (7/1/ط) من نظام روما الأساسي.
وأكد المركز أن حظر الإخفاء القسري يمثل قاعدة آمرة في القانون الدولي، وأن الجريمة لا تسقط بالتقادم، كما حدد مستويات المسؤولية الجنائية الفردية التي قال إنها تشمل القيادات الآمرة والمشرفين الميدانيين والمنفذين.
كما نسبت الدراسة مسؤولية دولية إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، استناداً إلى ما وصفه المركز بثبوت «السيطرة الفعلية» وإنشاء تشكيلات مسلحة وتولي ضباط ميدانيين إدارة شبكات سجون سرية في المحافظات الجنوبية، مستندة في ذلك إلى المادة (8) من مشاريع مواد مسؤولية الدول وسوابق محكمة العدل الدولية.
وطالب المركز الأمريكي للعدالة مجلس الأمن الدولي بإدراج الكشف عن مصائر المخفيين والإفراج غير المشروط عنهم كبند إنساني مستقل ضمن مسارات التفاوض بشأن اليمن، إلى جانب توسيع العقوبات الموجهة لتشمل القيادات ومشرفي السجون وشبكات الابتزاز.
كما دعا إلى إحالة ملف الانتهاكات في اليمن إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية وفق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وحث اللجنة الدولية للصليب الأحمر على توضيح القيود الميدانية المفروضة على عملها والتمسك بصلاحياتها في التفتيش الدوري غير المشروط على أماكن الاحتجاز.
ودعت الدراسة كذلك أجهزة القضاء والادعاء العام في الدول التي تطبق مبدأ الولاية القضائية العالمية إلى فتح تحقيقات جنائية شاملة، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتورطين، بما في ذلك إصدار مذكرات توقيف دولية عند توافر الأسس القانونية اللازمة.
وحث المركز دولة الإمارات والقوى المنخرطة في النزاع على إنهاء سياسات الإنكار والإفصاح عن مصائر المحتجزين في السجون التي قال إن ضباطاً ميدانيين تابعين لها أداروها، إلى جانب تقديم التعويض وجبر الضرر للضحايا وأسرهم.
كما طالب سلطات الأمر الواقع والتشكيلات المسلحة بالإفراج الفوري عن المخفيين، وتفكيك مراكز الاحتجاز السرية وإخضاعها لرقابة النيابة العامة والقضاء، ووقف الابتزاز المالي، وضمان حماية المحامين والشهود.
وفي توصياته الموجهة إلى الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، دعا المركز إلى استكمال إجراءات المصادقة وإيداع وثيقة الانضمام إلى الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، ومواءمة التشريعات الوطنية، وإنشاء هيئة وطنية مستقلة تُعنى بالمفقودين.
ودعا المركز، في ختام دراسته، المنظمات الحقوقية وروابط أسر الضحايا إلى العمل على إنشاء بنك بيانات مركزي للبصمات الوراثية (DNA)، بما يسهم في حفظ الأدلة الحيوية، وتحديد مصائر المفقودين، وضمان حق الضحايا وأسرهم في معرفة الحقيقة وتحقيق المساءلة القضائية.






































