المواطن نت- كتابات/ فهمي محمد
في البدء، لا بد من الوقوف مليًّا عند سؤال جوهري يقول: ماذا نقصد بالشرعية اليمنية التي نذر اليمنيون لها دماءهم وكلماتهم طيلة هذه السنوات؟ هل هي سلطة سياسية حكمت في صنعاء، أم هي مشروع وطني تاريخي، اعترضه انقلاب غادر، وحالت دونه عقبات التطبيق؟
بدون شك، إن انقلاب الحادي والعشرين من سبتمبر عام 2014م لم يستهدف الإطاحة بالرئيس عبدربه منصور هادي وحكومة التوافق الوطني فحسب، بل استهدف اقتلاع الفرصة التاريخية التي كانت اليمن على وشك أن تتحقق بها كدولة وكوطن لكل اليمنيين. وهنا يبرز السؤال الأعمق: أين تكمن ديمومة هذه الشرعية في مواجهة هذا المشروع الانقلابي؟
في كل الأحوال، هذه ليست أسئلة للجدل الأكاديمي أو المناورات السياسية، بل هي تساؤلات تأسيسية تُصحح معادلة الصراع وتُحدد بوصلته مع كل انحراف. أسئلة ينبغي لها أن تكون مرجعًا لأي فعل سياسي أو عسكري أو دبلوماسي يتعاطى مع متطلبات أي مرحلة، وأي ظروف كانت عليها الشرعية اليمنية، طالما بقي انقلاب الحركة الحوثية قائمًا في اليمن.فمهما اختلفت الظروف وتغيرت موازين القوى، يظل الثابت أن على اليمنيين أن يخوضوا معركتهم الوطنية الأهم ضد سلطة الحركة الحوثية، لأنها معركة تتعلق بمستقبل الأجيال.
لكن الأخطر في الأمر أن سلطة الشرعية، التي يفترض أن تكون مستعدة لكل الاحتمالات، تجد نفسها مرارًا عالقة في متاهة مجلس القيادة الرئاسي، وإشكاليات تكتلاته المتعددة التي تتحول إلى عائق داخلي، يلتهم طاقتها على حساب مواجهة العدو الحقيقي والمعركة الحقيقة، كما هو حال الخلاف بخصوص التعديل الوزاري الأخير، وذلك على سبيل المثال لا الحصر.
عندما انتخب اليمنيون عبدربه منصور هادي في استفتاء شعبي دون منافس، لم يكن ذلك انتخابًا لرئيس ببرنامج انتخابي تقليدي، بل كان تكليفًا وطنيًا لتشكيل سلطة سياسية توافقية مُلزمة بتنفيذ مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، وإنجاز مهام الانتقال السياسي الديمقراطي. لم تكن تلك انتخابات تنافسية بين أحزاب، بل كانت تفويضًا شعبيًا لإنجاز تحول سياسي ومهام وطنية في منعطف تاريخي مصيري.
ومن هنا، فإن شرعية تلك السلطة لم تكن مرتبطة بأشخاصها، بل كانت مرتبطة وجودًا وعدمًا بالمشروع السياسي الوطني، الذي يعد بحق المكتسب الرئيسي لثورة 11 فبراير 2011م.على هذا الأساس، يؤدي بنا هذا التأصيل إلى استنتاجات حاسمة:
أولاً: الشرعية هي سلطة مكلفة بإنجاز مهام التحول الوطني، وليست سلطة مرتبطة بأشخاص كعبدربه أو غيره ممن خلفه، فجوهرها هو المشروع الوطني المتفق عليه.
ثانيًا: هذه السلطة ليست معنية فقط ببذل العناية، بل هي مكلفة بتحقيق نتيجة واقعية ملموسة، هي قيام “الدولة الوطنية الديمقراطية الاتحادية”، ووجودها السياسي لا يقاس بزمن انتهاء ولاية الرئيس، بل بما يتحقق في الواقع من صيرورة وطنية نحو هذا الهدف. فلا يجوز الاحتجاج بانتهاء شرعية عبدربه بعد سنتين، أو من خلفه، لأن الشرعية سلطة انتقالية مرتبطة بإنجاز مهمة وطنية، تنتهي شرعيتها فقط حين يذهب اليمنيون إلى صناديق الاقتراع في ظل الدولة الديمقراطية الاتحادية، وينتخبون رئيسًا للجمهورية.
ثالثًا: مواجهة الحركة الحوثية، سلمًا أو حربًا، يجب أن تنطلق من هذا المشروع الوطني، لا من واقع الأمر الذي فرضته سنوات الانقلاب. فما بُني على باطل فهو باطل، والتخلي عن المشروع الوطني يجعل الشرعية مجرد سلطة أمر واقع أخرى، وهو بالضبط ما تصبو إليه الحركة الحوثية التي تسعى لتجسيد شرعيتها في السيطرة بالقوة على صنعاء ومعظم السكان، متوكلة على تعاطي المجتمع الدولي مع حقائق الأرض. ولهذا، فإن إصلاح بيت الشرعية في المناطق المحررة هو الخطر الأكبر على الحوثيين، لأنه سيجسد الدولة الحاكمة والمشروع الوطني، ويلبي متطلبات المرحلة بما يجعلها سلطة تحقيق مهام وطنية.
رابعًا: صحيح أن مستجدات المرحلة تتطلب استيعابًا جديدًا لبعض المعطيات التي فرضت على اليمن، لكن ثوابت المشروع الوطني تبقى ثابتة غير قابلة للتفريط، وهي لا تخرج هنا عن: دولة وطنية تتجاوز مفاهيم وسلوك السلطة التاريخية، وجمهورية اتحادية تتجاوز المركزية السياسية للحاكم، ونظام ديمقراطي يتجاوز سلطة الاستبداد التي حكمت اليمن منذ قرون. هذه هي محددات معركة الشرعية اليمنية ومبرر وجودها في كل مرحلة.
وعلى أساس مفهوم الشرعية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تشكل مجلس القيادة الرئاسي على أساس تمثيل هذا المشروع الوطني (الشرعية)، أم أنه جاء تجسيدًا لواقع جديد من مراكز القوى العسكرية والأجندات الإقليمية التي تقاطعت مع مشروع الشرعية اليمنية في مرحلة معينة؟
في فترة الحرب، وتحت سلطة الرئيس هادي، تشكل واقع سياسي وعسكري في المناطق المحررة كان بعيدًا عن روح المشروع الوطني، وربما كان للتحالف العربي مسؤولية في رسم ملامحه أكثر مما للرئيس هادي. على هذا الأساس، وُلد مجلس القيادة الرئاسي ليعبر عن هذه التوازنات الجديدة ومراكز القوى التي تشكلت بفعل الحرب، وحاجة دول التحالف، حيث باتت الشرعية يومها كسلطة مهام مسألة ثانوية أمام أجندات سياسية، خاصة مع احتواء أجندة دولة الإمارات لأربعة من أعضائه الثمانية.
هذه التركيبة حولت المجلس إلى تكتلات ذات حسابات خاصة، وليس إلى سلطة وطنية موحدة بمقياس المشروع السياسي الوطني للشرعية اليمنية، بل إن بعض أعضائه لم يؤمنوا بأن معركتهم الأساسية هي معركة الشرعية. وقد استفادت الحركة الحوثية من هذا التفكك، حيث توسعت الهوة بين المفهوم السياسي الوطني للشرعية وبين أداة تمثيلها في واقع المعركة مع الحركة الحوثية، وانشغل مجلس القيادة الرئاسي بخلافاته الداخلية حتى أصبحت المناطق المحررة عاجزة عن تقديم نموذج الدولة الوطنية، بل تحولت إلى ساحة مشتعلة ومتفجرة، بعيدة كل البعد عن إمكانية خوض معركة استعادة العاصمة صنعاء.
مع انفجار الأحداث في الجنوب مطلع العام 2026م بقيادة المجلس الانتقالي، وتدخل السعودية الحازم، وخروج الإمارات بقرار إعفاء من رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، انتقل المشهد اليمني إلى منعطف جديد. وقد تم استبدال عضوية الزبيدي والبحسني بعضوية الصبيحي والخنبشي، لكن السؤال الذي يطرح نفسه على امتداد المرحلة من أحداث الجنوب وحتى التشكيل الوزاري الأخير: هل كان هذا الإصلاح يستهدف تصحيح المجلس على أساس المفهوم السياسي للشرعية، أم كان مجرد إجراء إداري لمعالجة نقص عددي في تمثيل الجنوب؟
تبدو الإجابة أكثر تعقيدًا. فالمرحلة الجديدة، التي تتزامن مع تصعيد حوثي خطير بضرب الملاحة الدولية خدمة للأجندة الإيرانية، في ظل حرب أمريكية-إيرانية متكررة واعتداءات هذه الأخيرة على دول المنطقة العربية، تعززت لدى المجتمع الدولي قناعة مفادها أن دعم الشرعية واستعادة الدولة اليمنية هو الخيار الأنجع لحماية المصالح العالمية والإقليمية. لكن نجاح أي خيار يتطلب إصلاحًا حقيقيًا لسلطة الشرعية، لا شكليًا. وهذا الإصلاح لن يتحقق دون تجاوز إشكالية مجلس القيادة التي وُلدت من ظرفية المرحلة التي تشكل فيها سابقًا قبل الأحداث في الجنوب.
ومن هنا، وبعيدًا عن التجاذبات، نخلص إلى أن إصلاح الشرعية يتطلب إعادة هيكلة جذرية لمجلس القيادة الرئاسي. فمن بين أعضائه، هناك شخصيتان تمثلان الأهلية لتجسيد الشرعية كمفهوم سياسي وتحول وطني، وهما الدكتور رشاد العليمي واللواء محمود الصبيحي. وإذا كان الحال كذلك، فما المانع من تقليص المجلس إلى هذين الركنين، أو توسيعه بأربعة أعضاء بحيث يضاف إليهما الحنبشي والعراده، مراعاةً لتموضع الشرعية الجغرافي والسياسي في الشمال والجنوب، مع منح رئيس المجلس صلاحيات كاملة تحرره من قيود التوافقات السياسية “الثمانية” التي كانت وستظل عائقًا حقيقيًا؟ وإذا كان لابد من الإبقاء على عدد الثمانية، فيجب أن يُعين اللواء محمود الصبيحي نائبًا للرئيس مع صلاحيات تنفيذية، ومنح الرئيس العليمي سلطة اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية.
معضلة اليمن ليست في الحركة الحوثية الانقلابية فقط، بل في هشاشة البيت الداخلي للشرعية، وفي المرحلة الماضية على وجه الخصوص. فقد أثبتت السنوات الماضية أن أي سلطة سياسية لا تحظى بالتماسك الوطني، وتظل مهددة بالاختراق، ستكون غير قادرة على الفعل الوطني المطلوب، وسيتحول صراعها مع الانقلابيين إلى مجرد إدارة أزمة بدلاً من حسمها كمعركة وطنية. لذا، فإن إصلاح مجلس القيادة الرئاسي ليس ترفًا سياسيًا وفق متطلبات المرحلة، بل ضرورة وجودية لاستعادة المبادرة وقطع الطريق على المشاريع المشتتة في المناطق المحررة.
المرحلة بأحداثها الجارية وتصعيد الحوثي المستمر، تتطلب أن تكون الشرعية اليمنية حاضرة بثلاثية متكاملة: سلطة سياسية متماسكة وقادرة على اتخاذ القرار، ودولة تتجسد فعليًا في المناطق المحررة، ومشروع وطني يمثل طموح الشعب اليمني. فقط عبر تحقيق هذا المفهوم الثلاثي، يمكن للشرعية اليمنية أن تكون قادرة على إسقاط الانقلاب سلمًا وحربًا، وفرض احترام المجتمع الدولي لتطلعات اليمنيين، بدلاً من أن يكون أسيرًا لتطلعات وإملاءات سلطة الأمر الواقع.

























