المواطن نت- كتابات/ فهمي محمد
في قرية سنحان اليمنية، حيث يختلط تراب الجبال بحكايات القبيلة، وُلد علي عبدالله صالح، وخرج منها في سنه المبكر، متجهًا إلى المؤسسة العسكرية، دون أن يحمل في حقائبه علمًا يُذكر، أو رصيدًا ثقافيًا يستند إليه، أو تاريخًا نضاليًا يضعه في مصاف الثوار والمناضلين؛ كل ما حمله كان طموحًا جامحًا، وقدرة فطرية على التسلق فوق الجثث السياسية، ومهارة نادرة في قراءة تحولات السلطة واستغلالها.
أصبح قائدًا للّواء تعز العسكري في عهد الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي، وأحد أبرز المقربين إليه، لكن القرب هنا كان من نوع خاص؛ لم يكن يعني الولاء لثورة التصحيح، ولا قرب المساهم في صنع المجد الوطني، بل كان قرب الراصد الذي ينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض على السلطة فحسب.
ولأن صالح كان مقربًا من شخص الحمدي، لا قريبًا من مشروعه الثوري، فإنه طوال ثلاثة عقود من الحكم لم يذكر ثورة التصحيح في أي خطاب من خطاباته، ولم يتحدث عن مشروع الحمدي ولو مرة واحدة على مسامع اليمنيين، بل كان يريد شطب تلك الفترة الوطنية من ذاكرة الأمة ومن تاريخ الجمهورية. أما حديثه عن جريمة اغتيال الرئيس الحمدي، فلم يأتِ إلا بعد خروجه من السلطة، حين اتهم السعودية في مقابلة متلفزة، بعد أن تدخلت عسكريًا لإعاقة تمدد الانقلاب، لكنه في هذه المقابلة تجنب بعناية فائقة الحديث عن “المنفذين الفعليين” الذين تجمع الروايات المتقاطعة – بما فيها شهادة أخ الحمدي نفسه – على أن صالح كان حاضرًا في قلب مسرح الجريمة، وأنه كان الرجل الثاني في قيادة عملية الاغتيال السياسي بعد الغشمي، بل هو الذي رفض عرض الحمدي بتسليم السلطة والسفر إلى خارج البلاد بعد أن شاهد أمامه جثة أخيه عبدالله، وقال حين لاحظ تقبّل الغشمي لعرض الحمدي، كما تقول الرواية: “لو تركناه يسافر، سيعود ويقضي علينا”، الأمر الذي يفسر صعوده السريع إلى سدة الرئاسة بعد اغتيال الغشمي، ليتم بعد ذلك ترديد رواية على لسان أجهزة الرئيس صالح تقول إنه لم يكن في صنعاء، بل كان في تعز يوم اغتيال الحمدي.
تمت تصفية الرئيس الشهيد الحمدي، الذي تولى السلطة في 13 يونيو 1974م، ومُهِّد الطريق لصعود صالح، القادم من خارج مشروع ثورة التصحيح، ليصبح رئيسًا للجمهورية في 17 يوليو 1978، بعد اغتيال الغشمي الذي حكم ثمانية أشهر ونصف (من 11 أكتوبر 1977 إلى 24 يونيو 1978)، وبعد ثلاثة وعشرين يومًا فقط من رئاسة مؤقتة للقاضي عبدالكريم العرشي (من 24 يونيو 1978 إلى 17 يوليو 1978)، ليبدأ عهد جديد من الانحراف عن كل ما كان يحمله مشروع ثورة 13 يونيو من آمال في دولة المؤسسات والقانون في الجمهورية العربية اليمنية.
إن ما حدث في 11 أكتوبر 1977 لم يكن مجرد اغتيال شخصي لحاكم في اليمن ليحل محله آخر، بل كان اغتيالًا سياسيًا للوطن، اغتيالًا لمشروع دولة النظام والقانون والمؤسسات والإصلاح المالي والإداري الذي كان سيتغير به شكل اليمن، وينتصر به فكرة التغيير منذ عقود، لكن الرصاصة الأولى التي انطلقت من مسدس صالح كانت كافية لقتل هذا الحلم، ودفن أي احتمال لولادة دولة حديثة في الشمال الذي ظل ينتظر فرصة جديدة للنهوض نحو المستقبل.
ولأن اليمن ولادة، جاءت تلك الفرصة في 22 مايو 1990، حين تحققت الوحدة بين الشمال والجنوب الذي حضر بمشروعه الوطني، لتتشكل الفرصة الأكبر في تاريخ اليمنيين، المنعطف الوطني الذي لم يحدث مثله في تاريخ البلاد على الإطلاق. لم تكن الوحدة مجرد اندماج جغرافي بين شطرين، بل كانت مشروعًا سياسيًا طموحًا حملته المرجعيات السياسية لاتفاقية الوحدة اليمنية، يهدف إلى تحويل السلطة الحاكمة التي توارثتها النخب التقليدية لعقود إلى دولة وطنية ديمقراطية حقيقية، حيث يصبح الشعب هو مالك السلطة ومصدرها، وتصبح الحرية والتداول السلمي والرأي الآخر والتنوع السياسي هي الأساس العريض للدولة.
وهكذا كان مشروع الوحدة قد تجاوز في عمقه حتى ثورة التصحيح بقيادة الحمدي، لأنه لم ينتصر لدولة القانون فقط، بل انتصر لفكرة التغيير الوطني الشامل، ولسلطة العقل السياسي الحزبي التي أصبحت بديلاً عن سلطة العقل السياسي الموروث الذي حكم اليمن لقرون. كان مشروع الوحدة اليمنية يعني تحويل اليمن من بلد إلى وطن، واليمنيين إلى شعب سياسي فاعل يملك قراره ومستقبله.
لكن هذا الحلم الجميل، وهذا التحول الطموح الذي كان يحمل في طياته ولادة وطن في يمن الوحدة، اصطدم بجدار صلب من المكر والأنانية، حين أطلق صالح رصاصته الثانية في حرب صيف 1994، ليغتال الوحدة اليمنية والوطن اليمني الكبير للمرة الثانية، غير أن هذه المرة لم يكن الرجل الثاني في عملية الاغتيال، بل كان الرجل الأول وصاحب المصلحة الأكبر، القائد الذي لا يريد أن تنتزع منه الدولة سلطانه المطلق، ولا أن يتحول من حاكم بلا دولة إلى رئيس في دولة حقيقية تحد من نفوذه الأبدي.
ولأن نجاح الانقلاب على مشروع الوحدة كان يستدعي الحرب العسكرية، فقد وقف إلى جانب صالح تحالف عجائبي يمثل سلطة العقل السياسي الموروث بكل تجلياته، تحالف جمع بين شيخ القبيلة السياسية عبدالله الأحمر كرجل ثانٍ، وشيخ الإسلام السياسي عبدالمجيد الزنداني كرجل ثالث، والقائد العسكري علي محسن الأحمر كرجل رابع، أربعة أطراف اجتمعت على قلب المشروع الوطني الديمقراطي، ونجحت في إعدام الفرصة التاريخية التي قدمتها الوحدة لليمنيين.
منذ ذلك الصيف الأسود، تلاشى الوطن الموحد في النفوس، ولم تعد الديمقراطية التي وُعِد بها اليمنيون سوى انتخابات شكلية تمنح صالح الأغلبية الساحقة، وتقصي الآخرين، حتى شركاءه في جريمة الاغتيال ذاتهم. وبدلاً من أن تتجه اليمن الموحدة نحو مستقبل مشرق، ذهبت من سيء إلى أسوأ على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وكان صالح هو الكاسب الأكبر من كل هذا الدمار، لدرجة أن أغلبيته في مجلس النواب بدأت تطرح مسألة قلع عداد الديمقراطية ومنحه سلطة الحاكم الأبدي، وهو ما كان ينسجم تمامًا مع طموح صالح في تقليص هوية السلطة الحاكمة في صنعاء إلى المستوى العائلي الضيق.
جاءت ثورة الشباب في 2011، رافعة شعار الدولة المدنية، لتعيق مشروع صالح العائلي الذي كان يلتهم الدولة ويتغذى على مقدرات السلطة، ومع تحول الثورة إلى زخم سياسي جماهيري هائل، وجد خصوم صالح – حلفاء الأمس – فرصة مثالية لاستعادة مواقعهم السياسية والانتقام منه، فانضم أولاد الأحمر، وانشق علي محسن، وبارك الزنداني، لكن هؤلاء، بقدر ما منحوا الثورة قوة سياسية على الأرض، بقدر ما جعلوها خاضعة لسؤال مصيري ومزعج حول مصداقية التغيير والتقدم، سؤال يقول: كيف يمكن الانتصار لدولة مدنية في ظل من كانوا بالأمس شركاء في إجهاض الدولة والديمقراطية؟ وكيف يمكن الثقة بهم، وهم من يبشرون في ساحات الاعتصام المدني بدولة الخلافة الإسلامية، كما فعل الزنداني، أو من يمارسون سياسة القبيلة، كما يفعل آل الأحمر؟
الجدير ذكره أن ثورة الشباب، رغم كل هذه التناقضات، كانت أقوى من محاولات الاختطاف، وأجبرت صالح على التنحي عن منصبه، وقادت اليمن واليمنيين إلى مؤتمر الحوار الوطني الشامل، حيث تم الوقوف على مشاكل البلاد وتداعياتها، ووضعت الحلول الوطنية، وفي مقدمتها معالجة نتائج الاغتيال الثاني الذي أزهق روح الوحدة والدولة الديمقراطية، وكان الحل الأمثل وفق مخرجات ثورة الشباب هو تحويل اليمن إلى دولة وطنية ديمقراطية اتحادية، وبدعم إقليمي ودولي منقطع النظير. هنا بدأ حلم اليمنيين يتحقق في تحويل اليمن إلى وطن، وبدا وكأن المستقبل الذي طال انتظاره قادم لا محالة.
لكن المشكلة ظلت كامنة في حسابات صالح. كان تحويل اليمن إلى وطن لليمنيين، إلى دولة اتحادية ديمقراطية، يعني إدانة تاريخه بالكامل، وأنه هو من أعاق مستقبل اليمنيين لعقود، لهذا لم يتردد لحظة واحدة في إطلاق طلقته الثالثة والأخطر، ليغتال الوطن للمرة الثالثة، ولكن هذه المرة بتحالفه مع الحركة الحوثية، الوجه الأكثر تخلفًا للعقل السياسي الموروث في اليمن، وكأنه يفضل أن يحكم البلاد الجحيم على أن يحكمها غيره، فالوطن مجرد ورقة في لعبة بقائه على رأس السلطة، لا قيمة للوطن والمواطن إن لم يكن هو الحاكم الناهي على اليمنيين.
ما يجب أن ندركه، في حكم الثابت، أن في 21 سبتمبر 2014، لم تسقط العاصمة صنعاء بفعل انقلاب مليشاوي قادم من خارج السلطة فقط، بل بفعل قرار سياسي من رجل يمسك بمفاتيح السلطة ومؤسساتها. كيف يمكن لقادم من خارج السلطة أن يستولي على الجيش والأمن ومقدرات الدولة ومؤسساتها بهذه السهولة؟ الإجابة الوحيدة التي يفرضها العقل والمنطق هي أن الشخص الذي بنى تلك المؤسسات، وتغلغل بنفوذه السياسي والعسكري داخل تفاصيلها طوال ثلاثة عقود، هو نفسه من فتح أبوابها للحركة الحوثية، وخطابات صالح في تلك الفترة كانت خير شاهد على حضوره الكامل في المشهد، حيث قدم مفاتيح السلطة لمن يشاركونه عداء الدولة المدنية، متناسيًا أن النار التي يشعلها ستأكله هو الآخر في النهاية، لكنه كان راضيًا بأن يغتال الوطن للمرة الثالثة، مقابل أن لا ينتصر عليه مشروع دولة لن يكون له فيها مكان إلا كمواطن وليس حاكماً متسلط.
ثلاثة عقود من الحكم بلا دولة، كان صالح هو العنوان العريض للسلطة الحاكمة، وثلاث رصاصات أطلقها مسدسه اللاوطني في جسد اليمن، كانت كافية في قتل وطن كلما حاول النهوض نحو المستقبل. واليوم، بعد كل هذه الاغتيالات المتتالية، تظل اليمن تبحث عن ذاتها بين أنقاض ثلاثة عقود من سلطة لم تبني دولة، ولا جيشًا وطنيًا، ولا عقلاً سياسيًا مدنيًا، بل كانت السبب الأعمق في كل ما لحق بالوطن. والسؤال هنا مؤلم كالذكرى: هل يمكن لوطن اغتيل ثلاث مرات على يد من حكمه أن ينهض من جديد؟ أم أن هذه الاغتيالات المتعمدة كانت كافية لدفنه إلى الأبد، ليصبح مجرد عبرة في كتب التاريخ، وشاهدًا على أن أسوأ ما يمكن أن يصيب أمة هو أن يحكمها من لا يؤمن بها، ومن يرى في نهضتها خسارة له وهزيمة لسلطانه؟
الإجابة، ربما، ليست في حكايات الماضي، ولا في سير الجلادين، بل في إرادة اليمنيين أنفسهم، في قدرتهم على تجاوز ثلاثين عامًا من المكر،وإغتيال الفرص، وفي تصميمهم العنيد على مواجهة الانقلاب وبناء دولة لم يعرفوها قط: دولة لا تُغتال، بل تحمي؛ دولة لا تمكر، بل تبني؛ دولة لا تسلم مفاتيحها لعدوها، بل تظل عصية على كل محاولات الاغتيال السياسي، مهما تعددت الرصاصات، ومهما تنكر الجلادون بأسمائهم وأفعالهم، ومهما بدا الطريق طويلاً وشاقًا وموحشًا، لأن اليمن، رغم كل الجراح، يجب أن يتحول إلى وطن تحيا فيه دولة اليمنيين، لا أن يُغتال بشكل متكرر من أجل سلطة الحاكم.


























