المواطن نت- كتابات/ عيسى الجبولي
في زوايا النسيان تعيش قصص إنسانية مؤلمة لا تجد من يرويها، ومن بين تلك القصص قصة الأستاذ خالد السكن، أحد المعلمين الذين حملوا حلم التعليم وخدمة الوطن، لكنهم وجدوا أنفسهم في نهاية المطاف وحيدين في مواجهة قسوة الحياة وتقلباتها.
كان خالد السكن من أبرز طلاب معهد المعلمين في تعز، وعُرف بتفوقه الاستثنائي في الرياضيات حتى حصل على الدرجة الكاملة فيها، كما حقق نتائج مرتفعة في معظم المواد الأخرى، وكان قريباً من تحقيق مركز متقدم على مستوى الجمهورية. وقد شهد له زملاؤه وأساتذته بالذكاء والاجتهاد وحب العلم.غير أن طريقه لم يكن سهلاً.
فخلال سنوات دراسته الجامعية تزوج مبكراً، ووجد نفسه في مواجهة أعباء اقتصادية كبيرة أثرت على حياته ومسيرته التعليمية. وبعد تخرجه من جامعة تعز التحق بالعمل في مدرسة الفجر الجديد بمدينة التربة، لكنه واجه صعوبات مهنية وتنقلات وظيفية متكررة تركت آثارها عليه نفسياً ومعنوياً.
لاحقاً التحق بالعمل في المعهد العالي للتربية بالتربة، وشهد مراحل تطوره حتى أصبح كلية للتربية، وبينما حصل عدد من زملائه على فرص أكاديمية ووظيفية مختلفة، ظل يشعر بأنه لم ينل ما يستحقه من اهتمام أو تقدير، الأمر الذي زاد من إحساسه بالإحباط والعزلة.
ومع تراكم الضغوط والصدمات دخل الأستاذ خالد في أزمة نفسية قاسية استدعت العلاج والمتابعة الطبية لفترات طويلة، ومع مرور السنوات تدهورت حالته الصحية والنفسية، وأصبح يعيش حياة صعبة يطغى عليها الألم والوحدة، بعد أن فقد كثيراً من أحلامه التي سعى إليها منذ شبابه، ولم تتوقف معاناته عند هذا الحد، فقد تلقى ضربة موجعة أخرى بوفاة والدته العام الماضي، وهي التي كانت تمثل له السند الأكبر في حياته ومرضه، وبرحيلها فقد آخر من كان يحيطه بالرعاية والاهتمام، ليجد نفسه أكثر عزلة وهشاشة في مواجهة ظروفه القاسية.
ورغم كل ما مر به، لا يزال الأستاذ خالد يحتفظ بذكريات زملائه وطلابه الذين عمل معهم خلال سنوات عطائه، وقد خص بالذكر الدكتور ياسر محمد عبدالرحمن القاضي، والمهندس منير قاسم سعيد الرباصي، مؤكداً أنه ما زال يكن لهما كل التقدير والمحبة.
إن قصة خالد السكن ليست مجرد قصة فرد، بل هي قصة معلم أفنى سنوات عمره في خدمة التعليم قبل أن يجد نفسه في مواجهة المرض والوحدة والظروف القاسية. وهي دعوة صادقة إلى وزارة التربية والتعليم والنقابات التربوية، وزملائه، وطلابه، وكل أصحاب القلوب الرحيمة؛ للالتفات إلى هذه الحالة الإنسانية وتقديم ما يمكن من دعم ومساندة ورعاية.
فالمجتمعات لا تقاس فقط بما تبنيه من مؤسسات، بل أيضاً بقدرتها على الوفاء لمن خدموها في أوقات القوة، والوقوف إلى جانبهم في أوقات الضعف، وكما يقول البيت الشعبي المعبر عن حال كثير من المظلومين:
رحت أشتكي للمحكمة والمحكمة مُبَنَّد
يا دولة الإنصاف يا دين محمد



























