المواطن نت- حاورها : أحمد طه المعبقي
قالت أفراح مغلس أمين عام نقابة التربويبن اليمنيين التعليمية، بأن نقابة التربويين جاءت لاستعادة حقوق المعلم وتحرير العمل النقابي من موروث الاستبداد، وتحرير قطاع التعليم الذي ظل لعقود طويلة أسيراً للاستقطاب السياسي والأيديولوجيات الحزبية.
وكشفت مغلس في حوار أجراه معها أحمد طه المعبقي، عن امتلاك نقابة التربويين تصوراً متكاملاً لاستراتيجية وطنية تعليمية، ستقدمها للحكومة عندما تستكمل صياغتها.
وإشارت إلى إن هذه الاستراتيجية الوطنية تهدف إلى إحداث تحول جذري في بنية التعليم وفلسفته، وإدخال الفلسفة وقيم المواطنة وحقوق الإنسان ضمن المناهج الدراسية، وتحويل حقوق الإنسان من مفهوم يناقش في الفنادق والغرف المغلقة إلى ثقافة حية تمارس في فصولنا الدراسية.
وأضافت قائلة بأن الاستراتيجية الوطنية تسعى إلى تبني مفهوم “التدريس المندمج” الذي لا يفصل حقوق الإنسان في مادة مستقلة، بل يدمج قيمها ومبادئها في نسيج جميع المواد الدراسية، لتصبح حاضرة في صياغة أهداف كل درس.
وأكدت بأن نقابة التربويين أول كيان نقابي ومدني يمنح المرأة دوراً محورياً في صناعة القرار، حيث تجاوزت نسبة مشاركتها في الهيئات القيادية العليا 30%، تطبيقاً عملياً لتوصيات مؤتمر الحوار الوطني.
وتابعت “من أولوية مطالبنا إعادة النظر باستراتيجية الاجور بما تتناسب مع المستوى المعيشي للمعلم، وإعادة النظر في دور المدرسة التي أنتجت ثقافة الطاعة والخضوع، وجردت الطالب من قدرته على التفكير النقدي”.
ودعت إلى تعليم حديث يرتكز على العقل والحرية، ويعلي من شأن التفكير النقدي ويضع حقوق الإنسان في صميمه كأساس حقيقي لبناء مواطن فاعل.
إلى نص الحوار:
_في البداية من هي أفراح مغلس؟
أفراح حزام مغلس، ولدت من رحم تعز الحالمة، مدينة شكت هويتها فصارت وشماً في روحي، ترنيمة أزلية تُعيد تشكيل ذاتي مع كل فجر يشرق.
أفراح مغلس أمين عام نقابة التربويين اليمنيين: ترى بأن القيادة ليست سلطة على الآخرين، بل هي مسؤولية وجودية تجاههم، هي محاولة لخلق التناغم، وخدمة الآخرين ورفع الظلم، وإعادة تشكيل الواقع بما يتوافق مع جوهر العدل والكرامة الإنسانية.
أرى في العمل النقابي رحلة في دروب الوعي الجمعي، حيث تتشابك الأيادي في سعيٍ مشترك نحو النور، أؤمن بأن العمل النقابي هو مفتاح التحرر وأن القيادة الحقيقية تكمن في تمكين الآخرين من إكتشاف حريتهم وكرامتهم..
افراح مغلس، أستاذة الكيمياء، فالكيمياء بالنسبة لي ليس مجرد لقب وظيفي، بل هو مدخل إلى فهم فلسفة التحول والتركيب، الكيمياء هي لغتي التي أترجم بها أسرار الكون، وهي مرآة تعكس جوهر التحول الوجودي.
_ماهي الأسباب والدوافع التي أدت إلى إنشاء نقابة التربوبين اليمنيين التعليمية، وما هو الجديد التي أضافته نقابتكم؟
لعقود طويلة، ظل العمل النقابي في اليمن، وخاصة في قطاع التعليم، أسيراً للاستقطاب السياسي والأيديولوجيات الحزبية، حيث تقاسمت ثلاث نقابات رئيسية هذا القطاع الحيوي، وكل منها تمثل طيفاً سياسيًا محدداً، مما حول دورها من الدفاع عن الحقوق المهنية إلى أداة للصراع السياسي، وعندما دخلت الأحزاب السياسية في تحالفات حكومية، تجمدت حركة هذه النقابات، تاركةً المعلمين بلا صوت حقيقي يدافع عنهم في وقت كانوا فيه بأمس الحاجة إليه.
في خضم هذا الفراغ، ومع التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى تآكل أجور المعلمين لدرجة لم تعد تسد رمق العيش، كان لا بد من ولادة كيان جديد ينبع من صميم الميدان، من قلب مدينة تعز، انطلق الحراك التربوي في يناير 2025 م بدعوة من اللجنة التحضيرية ل “اتحاد التربويين اليمنيين” ، قاد احتجاجاً و إضرابًا مفتوحًا وغير مسبوق، لم يكن دافعه سياسيًا، بل كان صرخة حقوقية تطالب بإنقاذ المعلم واستعادة كرامته، وتحرير العمل النقابي من رواسب الاستبداد الذي ظل مسيطر على الحياة النقابية مايقرب نصف قرن من الزمن.
لقد تميز هذا الحراك التربوي بأن شرارته الأولى كانت المرأة التربوية التي شكلت مصدر إلهامه وقوته الدافعة، مما منحه تميزاً فريداً وأكسبه تعاطفاً واسعاً، هذا الزخم الشعبي تحول لاحقاً إلى كيان نقابي منظم بصفة رسمية في أغسطس 2025م عرف باسم “نقابة التربويين اليمنيين التعليمية، حاملاً معه مبادئ جديدة للعمل النقابي.
إن ما يميز نقابتنا هو أنها تأسست على أنقاض النموذج القديم، لتقدم رؤية ديمقراطية ومستقلة، ولأول مرة في تاريخ العمل المدني اليمني، تم منح المرأة دوراً محورياً في صناعة القرار، حيث تجاوزت نسبة مشاركتها في الهيئات القيادية 30%، تطبيقاً عملياً لتوصيات مؤتمر الحوار الوطني.
وعلى الرغم من أن نقابة التربويين اليمنيين كيان حديث الولادة، إلا أنها أثبتت فاعليتها من خلال تنظيم احتجاجات مؤثرة وأنشطة ثقافية متنوعة تركز على حقوق الإنسان وقضايا المرأة، لتؤكد بذلك أنها ليست مجرد نقابة للمطالبة بالحقوق، بل هي مشروع مجتمعي متكامل يسعى لبناء مستقبل أفضل للمعلم والتعليم في اليمن.
_ماهي أولويات نقابتكم في المرحلة الحالية؟
زيادة الأجور والعمل على إقرار زيادة عادلة في أجور المعلمين تتناسب مع أهمية رسالتهم وغلاء المعيشة، صرف الرواتب والمستحقات المالية في مواعيدها المحددة دون أي تأخير، والسعي لتوفير بيئة تعليمية آمنة ومجهز بالوسائل التعليمية، وتمكين المرأة التربوية ودعم المعلمات وتذليل العقبات أمامهن لتمكينهن من أداء دورهن التربوي والقيادي بفاعلية، وبناء شراكات فاعلة مع الجهات الرسمية والمجتمع المدني لضمان أن يكون صوت المعلم حاضراً في صياغة السياسات التعليمية، وأن تكون النقابة جزءاً من الحل لا مجرد طرف في المطالبة.
نرى أن هذه الأولويات هي الطريق نحو استقرار العملية التعليمية وحماية حقوق التربويين وضمان مستقبل أفضل لأبنائنا الطلاب.
_هل التشريعات الوطنية الحالية بشأن النقابات تفي بالغرض؟
إن تعزيز الحركة النقابية في اليمن يتطلب إصلاحاً شاملاً للتشريعات الحالية لضمان توافقها مع معايير العمل الدولية التي صادقت عليها اليمن، وبما يمكن النقابات من أداء دورها بفعالية في الدفاع عن حقوق العمال وتحقيق العدالة الاجتماعية.
المبادئ الأساسية لإصلاح التشريعات النقابية:
1-الفصل بين أنواع النقابات: من الضروري وضع قانون يميز بوضوح بين النقابات العمالية والنقابات المهنية، نظراً لاختلاف طبيعة عمل كل منهما وخصائصهما، هذا الفصل يضمن وجود أطر قانونية تناسب احتياجات كل فئة.
2- استقلالية النقابات عن قوانين الجمعيات الأهلية، يجب إلغاء أي تداخل قانوني بين قانون النقابات وقانون الجمعيات والمؤسسات الأهلية، ومن المهم إزالة كافة المواد التي تسمح بمعاملة النقابات كجمعيات عادية، خاصة فيما يتعلق بإجراءات التسجيل، الإشهار.
3- تسهيل إجراءات التأسيس:تماشيا مع اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 87، يجب أن يتم تأسيس النقابات بمجرد إخطار الجهة الإدارية المختصة (مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل)، دون الحاجة إلى ترخيص مسبق قد يستخدم كأداة للتقييد أو المنع.
4 – حماية الممثلين النقابيينيجب تفعيل المادة (10) من القانون الحالي التي تحظر معاقبة أو نقل العضو النقابي بسبب نشاطه، مع ضرورة تشديد العقوبات على أصحاب العمل الذين يخالفون هذا المبدأ لضمان حماية حقيقية للعمل النقابي.
مواءمة التشريعات مع المعايير الدولية: لتحقيق التوافق الكامل، يجب مراجعة القوانين الوطنية وتحديد المواد التي تتعارض مع الاتفاقيات الدولية، مع التركيز على النقاط التالية:
-حق في التعددية النقابية:يجب أن يسمح القانون صراحةً بإنشاء أكثر من نقابة في القطاع الواحد أو المنشأة الواحدة، وترك حرية الاختيار للعمال للانضمام إلى النقابة التي يرونها الأنسب لتمثيلهم، مما يعزز المنافسة الصحية لخدمة الأعضاء.
-تبسيط إجراءات الإضراب:مراجعة القيود المفروضة على حق الإضراب والمسيرات لضمان كونه أداة فعالة ومتاحة للعمال للدفاع عن حقوقهم، وليس مجرد حق شكلي.
-تعزيز المفاوضة الجماعية: يجب أن يُلزم القانون أصحاب العمل بالدخول في مفاوضات جماعية بحسن نية مع النقابات الممثلة للعمال، مع وضع آليات واضحة وفعالة لتسوية المنازعات.
إن تبني هذه الإصلاحات سيساهم في بناء حركة نقابية يمنية قوية ومستقلة، قادرة على الدفاع عن حقوق العمال، وتحقيق العدالة الاجتماعية.
_هل لدى نقابتكم فلسفة تربوية واستراتيجية سياسية مستقبلية تسعى من خلالها إلى النهوض بالعملية التعليمية؟
نعم، لدى نقابة التربويين اليمنيين تصور واضح ورؤية استراتيجية لمستقبل التعليم في اليمن، ونحن ندرك إن النهوض بالعملية التعليمية في اليمن يتطلب ما هو أعمق من الإصلاحات السطحية، إنه يستدعي تبني فلسفة تربوية واضحة واستراتيجية وطنية مستقبلية.
من هذا المنطلق، تدرك نقابة التربويين اليمنيين أن غياب رؤية تعليمية تدعم بناء الدولة الديمقراطية الاتحادية يمثل جوهر الأزمة، فلا يمكن الحديث عن ديمقراطية حقيقية في بلد تخلو مؤسساته التعليمية من قيم المواطنة وحقوق الإنسان، فهي القناة الأهم للتنشئة السياسية السليمة، لذا، تسعى نقابتنا إلى صياغة تصوراً متكاملاً لاستراتيجية وطنية تعليمية، سنقدمها للحكومة ووزارة التربية والتعليم عندما نستكمل صياغتها.
هذه الاستراتيجية الوطنية تهدف إلى إحداث تحول جذري في بنية التعليم وفلسفته، وتقوم رؤيتنا على تحويل حقوق الإنسان من مفهوم يناقش في الفنادق والغرف المغلقة إلى ثقافة حية تمارس في فصولنا الدراسية، ولتحقيق ذلك، نتبنى مفهوم “التدريس المندمج” الذي لا يفصل حقوق الإنسان في مادة مستقلة، بل يدمج قيمها ومبادئها في نسيج جميع المواد الدراسية، لتصبح حاضرة في صياغة أهداف كل درس.
إن هدفنا هو إعادة النظر في دور المدرسة التي أنتجت ثقافة الطاعة والخضوع، وجردت الطالب من قدرته على التفكير النقدي، ودربته على التلقي بدل المشاركة. لقد أفرز هذا النظام التعليمي أجيالًا هشة الوعي، سهلة الاستقطاب، ومنفصلة عن قيم الكرامة والمواطنة. ما نريده اليوم هو تعليم حديث يرتكز على العقل والحرية، ويعلي من شأن التفكير النقدي ويضع حقوق الإنسان في صميمه كأساس حقيقي لبناء مواطن فاعل.
ولتحقيق ذلك، نطالب بأن تصبح المواد الفلسفية جزءاً أساسياً من مناهج المرحلة الثانوية بقسميها العلمي والأدبي، وتدرس في جميع الجامعات وأقسام الكليات، لدورها المحوري في صقل العقل النقدي.
إن هذا التحول يتطلب برامج تدريبية متقدمة للعاملين في قطاع التعليم، والأهم من ذلك، ضمان حصول المعلم على كامل حقوقه، فهو حجر الزاوية في أي عملية إصلاح.في الأخير ما نريده هو بناء تعليم يعيد للمدرسة دورها في إنتاج الوعي، ويخرج أجيالاً تؤمن بالحرية والكرامة والعيش المشترك، وتكون قادرة على بناء مستقبل اليمن الديمقراطي الحديث.
_ماهي رؤيتكم لزيادة تمثيل النساء في المناصب القيادية النقابية؟
رؤيتنا واضحة نحن نؤمن أن مشاركة المرأة في المناصب القيادية النقابية ليست خياراً ثانوياً بل ضرورة لتحقيق العدالة والمهنية في العمل النقابي، لذلك نعمل وفق استراتيجي تقوم على ثلاثة محاور رئيسية:
أولًا: إتاحة الفرص المتكافئة للمعلمات في الترشح والانتخاب داخل الهيئات النقابية وضمان أن تكون اللوائح الداخلية داعمة لمبدأ المساواة.
ثانيًا: التأهيل والتمكين عبر برامج تدريبية متخصصة في القيادة النقابية وصناعة القرار وبناء القدرات بحيث تكون المرأة جاهزة لممارسة دورها القيادي بثقة وكفاءة.
ثالثًا: إبراز النماذج النسائية الناجحة في الإعلام والفعاليات النقابية لتشجيع المزيد من المعلمات على خوض التجربة القيادية وكسر الحواجز الاجتماعية التقليدية.نحن نرى أن زيادة تمثيل النساء في القيادة النقابية سيعزز من شمولية العمل النقابي ويجعل صوت المرأة التربوية حاضراً في كل قرار وهو ما ينعكس إيجاباً على التعليم والمجتمع.
_في الختام، ما هي الرسالة التي تحبين أن توجهيها، ولمن توجهيها؟
أود أن أتوجه برسالتين محوريتين، الرسالة الأولى: إلى الحكومة اليمنية ادعوها إلى ضرورة مراجعة وإصلاح هيكل الأجور في القطاع العام بشكل عاجل، ليتناسب مع الظروف المعيشية الصعبة والتضخم المتزايد، على إعتبار إن تحقيق العدالة في الأجور ليس مجرد مطلب، بل هو أساس الاستقرار الاجتماعي.
الرسالة الثانية: إلى القيادة السياسية ورعاة السلام في اليمن أدعوهم إلى ضرورة إشراك المرأة النقابية والقيادات النسائية الفاعلة في جميع مراحل مفاوضات السلام وعمليات إنهاء الحرب.
إن وجودهن على طاولة المفاوضات يضمن تمثيل كافة أطياف المجتمع، ويثري الحوار بوجهات نظر تسهم في بناء سلام عادل ومستدام للجميع.






























