المواطن نت- كتابات/ فهمي محمد
لم أكن يوماً في خندق صالح، ولا أؤمن بأن السياسة والقيادة تُورَّث كما تُورَّث الأرض والعقار. فاليمن أوسع من أي اسم، وأكبر من أي أسرة، وأوسع من أي إرث سياسي للأشخاص والعائلات. لكنني في المقابل لست مع من يوزّعون تهم الخيانة على انسحاب قوات طارق من المخاء، لا دفاعاً عن الرجل، بل لأن الرواية نفسها كاذبة وغير منطقية، وهي بالضبط ما تريد الحركة الحوثية أن يتداوله خصومها في هذه اللحظة بالذات.
صحيح أن الحوثيين يريدون قبل كل شيء أن يظهر انتصارهم في المخاء كانتصار عسكري كاسح، وهذا ما يسعون لترسيخه في الوعي الجمعي. لكنهم في الوقت نفسه يرغبون في أن يضيفوا إلى هذا الانتصار قيمة مضافة ثمينة: رواية الخيانة والخذلان داخل صفوف المعسكر المعارض لهم توفر ذلك. فهم لا يكتفون بأن يقولوا للناس إنهم انتصروا في الميدان، بل يريدون أن يقولوا إن خصومهم خسروا لأن بعضهم تخلى عن بعض، وأنهم مرتزقة بلا قضية يقاتلون في سبيلها. وهذه الرواية، إن نجحت في حفر مكان لها في الوعي الجمعي، تفتّت الثقة داخل المعسكر المعارض للحركة الحوثية، وتحوّله إلى ساحة اتهامات متبادلة. فالانتصار العسكري يستعيده الطرف الآخر بالسلاح والتنظيم، وهو ممكن في أقرب وقت، أما تفكيك الثقة الداخلية فيحتاج إلى عمر طويل لترميمه.
خطاب التخوين لم يتوقف عند طارق وحده. فالأخبار التي تتحدث عن خذلان محور تعز أو رئاسة الجمهورية ليست أخباراً بريئة في هذا السياق، بل هي حلقة في السلسلة نفسها. الهدف واحد: تصفية كل القيادات، واحداً بعد الآخر، على منصة الاتهام في معركة الساحل الغربي.
الهزيمة في المخاء، لمن يقرأها بعقل لا بعاطفة، ليست هزيمة شخص ولا هزيمة محور. إنها هزيمة المعسكر المناوي للحركة الحوثية بكل تنوعاته العسكرية. واستمرار هذا السقوط يعني ببساطة أن الحركة الحوثية ستنتصر على معسكر الشرعية اليمنية، والإمامة ستنتصر على الجمهورية، والسلاليون سينتصرون على اليمنيين جميعاً، وحتى إيران ستنتصر على دول التحالف العربي. هذه المعادلة يعرفها الرئيس العليمي، ويعرفها العميد طارق، ويعرفها أعضاء مجلس القيادة الرئاسي، وتعرفها قيادة الجيش في الميدان. ولهذا ليس من مصلحة هؤلاء جميعاً أن يخذل بعضهم بعضاً في معركة مصيرية تدور اليوم في الساحل الغربي من مدينة تعز.
الذين يروجون الآن لخطاب التخوين والخذلان، وأتحدث هنا عن المعارضين للحركة الحوثية لا عن الذباب الإلكتروني المحسوب عليها، لا يدركون شيئاً عن طبيعة المعركة التي جرت وتجري، ولا عن حجم القتال، ولا عن ظروف المواجهة العسكرية في الساحل الغربي. وهؤلاء لكي يفهموا ما جرى في المخاء، يجب أن نبدأ معهم من النقطة التي لا يختلفون عليها، وهي: أن هدف الحرب في الساحل الغربي هو الوصول إلى باب المندب، ووضع الملاحة الدولية في البحر الأحمر تحت السيطرة النارية.
وإذا كان هذا هو الهدف، فالسؤال هنا لا يقول ماذا تعني السيطرة على باب المندب، بل من اتخذ هذا القرار العسكري؟ والجواب واضح لدى الجميع ولديهم: إيران، لا الحركة الحوثية.
على هذا الأساس يتضح المشهد أكثر في معركة الساحل الغربي. فإيران حين اتخذت قرار السيطرة على باب المندب، ووضعه تحت السيطرة النارية للحرس الثوري، لم تكن تحسب حساب معركة محدودة في غرب تعز، بل كان هدفها استراتيجياً يغير قواعد اللعبة كلها في معركة إقليمية ودولية. وكانت تعرف جيداً ما تعنيه هذه الخطوة، مع وجود قوات طارق صالح المكونة من عدة ألوية عسكرية، وإمكانية تدخل قوات الشرعية في تعز، ناهيك عن تصحيح أوضاع الشرعية اليمنية بعد أحداث حضرموت، مما يعني احتمال تدخل قوات جنوبية في الدفاع عن الساحل الغربي وهو ما حدث. وكانت تدرك أيضاً، والأهم من ذلك، أن باب المندب ليس هدفاً محلياً، بل هو شريان دولي، وأن السيطرة عليه تمس مصالح دول الإقليم والعالم أكثر مما تمس مصالح اليمن نفسه، وهذا يعني احتمال تدخل قوات التحالف العربي، بل وحتى أمريكا وبريطانيا في خط المواجهة.
كل هذه الحسابات كانت حاضرة على طاولة متخذ القرار الإيراني، ومع ذلك مضت إيران في خطتها نحو التنفيذ. وهذا يعني أن إيران أعدت خطة عسكرية قادرة على مواجهة كل هذه المعطيات والاحتمالات مجتمعة، لا يهمها الثمن المدفوع، طالما لا يُقتل إيراني واحد في هذه المعركة. ولهذا شهدت المواجهة العسكرية كثافة نيرانية غير مسبوقة، ذخيرة وقذائف مدفعية، وطبقات أسلحة صواريخ وطيران مسيّر وزحف بشري غير مسبوق في انساقه القتالية. فحجم الإعداد والتحضير العسكري كان بحجم المعطيات والمخاوف المطروحة على طاولة متخذ القرار وتداعيات المعركة.
ما حدث في المخاء ليس ناتجاً عن خيانة أو خذلان، بل هو انسحاب أمام تفوق عسكري كاسح كسر كل وسائل الصمود العسكرية لدى قوات طارق والقوات المساندة، وعدم الانسحاب كان يعني هلاك الآلاف. لكن المؤسف أن هذا لم يكن في حسبان مجلس القيادة الرئاسي، رغم وضوح رغبة إيران في السيطرة على باب المندب، وهذا بحد ذاته ينقل الحديث من خانة الاتهام بالخيانة والخذلان إلى خانة المسؤولية التقصيرية.
الفرق بين من يخون ومن ينسحب أمام قوة كاسحة هو الفرق بين تفسير أخلاقي مريح وتفسير عسكري قاسٍ. والمشكلة أن التفسير الأول يريح النفس لكنه يهزم الجيش في معركة الاستعادة، أما الثاني فيوجع النفس لكنه يبني الاستراتيجية القادرة على استعادة الخسارة، هذا إذا أخذنا في الاعتبار أن التعاطي مع خطاب التخوين والخذلان ناتجاً عن غضب شعبي حسن النية، وفي الوقت نفسه غير واعٍ لمخاطر التعاطي معه.
الجدير ذكره والتحذير منه في الوقت نفسه أن الحركة الحوثية بتعليمات من إيران سوف تتبنى أولاً خطاباً يطمئن العالم بخصوص الملاحة البحرية الدولية، وحتى إيران لن تمارس قرصنة بحرية في الوقت الحالي حتى لا يتشكل تحالف دولي، وسوف تتبنى ثانياً خطاباً يعمل على تهدئة المواجهة العسكرية في الداخل اليمني. وفي حال استجابة الشرعية لذلك، سوف تحتفظ الحركة الحوثية بمدينة المخاء والميناء وتفتح بوابة بحرية أخرى للإمداد العسكري، وسوف تحصّنها عسكرياً، ومن ثم سيتم الإعداد لمواجهات عسكرية مستقبلاً، تمكنها من الحصول على موضع قدم أكثر أهمية على مستوى الداخل اليمني.
أخيراً، وبرغم مرارة ما حدث، علينا أن ندرك الآن أن المعركة الحقيقية ليست في المخاء فقط، المعركة الحقيقية هي في الوعي، ومن يخسر الوعي يخسر كل شيء في المعركة العسكرية.





















