المواطن نت- كتابات/ نجيب الكمالي
بعد أكثر من أحد عشر عامًا من الحرب التي أنهكت اليمن، لم يعد السؤال عن القادة يُقاس بعدد المناصب التي شغلوها، ولا بحجم النفوذ الذي امتلكوه، بل بما قدموه لوطنهم، وبما تركوه من أثر في وجدان شعوبهم.
فالتاريخ لا يحتفظ طويلًا بأسماء الذين جعلوا السلطة غاية، لكنه يتوقف عند أولئك الذين اختاروا الوطن قبل المناصب، والمبدأ قبل المكاسب.وفي ذكرى ميلاد الشهيد المجيد عبد الفتاح إسماعيل، يعود السؤال ليطرح نفسه بقوة: ما الذي يجعل قائدًا حاضرًا بعد رحيله بعقود؟ ولماذا تبقى بعض الشخصيات جزءًا من الذاكرة الوطنية رغم تغير الأزمنة والظروف؟ ،لقد رحل عبد الفتاح إسماعيل عام 1986، لكن رحيله لم ينهِ حضوره؛ فما زال اسمه حاضرًا في الذاكرة السياسية والتاريخية، لأن بعض الشخصيات لا تنتهي بانتهاء حياتها، بل تتحول إلى جزء من ذاكرة الشعوب. فالأفكار التي ترتبط بقضايا الناس لا تموت برحيل أصحابها، بل تستمر وتعيد طرح نفسها أمام الأجيال الجديدة.
لقد كان عبد الفتاح إسماعيل واحدًا من الشخصيات التي ارتبطت بمرحلة مفصلية في تاريخ اليمن الحديث؛ إذ كان من مؤسسي الجبهة القومية التي قادت مسار الاستقلال في جنوب اليمن، ومن مؤسسي الحزب الاشتراكي اليمني، وتولى أول أمانة عامة له، لكن قيمة الرجل لا تُختصر في المناصب التي تقلدها، بل في ارتباطه بالفكرة والعمل السياسي والتنظيمي، وفي إيمانه بأن الإنسان يمكن أن يكون جزءًا من مشروع أكبر من ذاته.
فقد تعامل مع السياسة باعتبارها مسؤولية تاريخية، لا مجرد طريق للبحث عن السلطة أو النفوذ.ومهما اختلفت القراءات حول تجربته السياسية، فإن استمرار حضوره بعد عقود من رحيله يؤكد حقيقة مهمة: أن القادة الحقيقيين لا يبقون بسبب المناصب التي شغلوها، بل بسبب الأفكار والقيم التي حملوها.
ومن هنا يبرز السؤال الأهم: هل يمكن أن يظهر عبد الفتاح إسماعيل من طراز جديد؟ هل يمكن أن يأتي جيل من القيادات يحمل روح المسؤولية نفسها، ويختار الوطن قبل المنصب، والمشروع الوطني قبل المصلحة الشخصية؟ إن المطلوب ليس إعادة إنتاج الأشخاص، فالتاريخ لا يكرر نفسه، وإنما استعادة القيم التي صنعت القادة الحقيقيين؛ الإيمان بأن القيادة ليست امتيازًا، بل أمانة، وأن المنصب وسيلة لخدمة الناس وليس غاية لتحقيق المكاسب.
لقد كشفت سنوات الحرب اليمنية أن الأوطان بحاجة إلى قيادات تمتلك رؤية تتجاوز اللحظة، وتدرك أن المناصب عابرة، بينما يبقى العمل الصادق والأثر الوطني في ذاكرة الشعوب.
إن استحضار عبد الفتاح إسماعيل اليوم ليس مجرد عودة إلى الماضي، بل دعوة للتفكير في معنى القيادة في الحاضر. فالقائد الحقيقي ليس من يجعل الوطن مرتبطًا باسمه، بل من يجعل اسمه مرتبطًا بوطنه وقضيته.
وبعد أربعة عقود تقريبًا من رحيله، ما زال عبد الفتاح إسماعيل حاضرًا لأن الفكرة التي آمن بها كانت أكبر من صاحبها، ولأن أثر الإنسان لا يُقاس بعدد السنوات التي عاشها، بل بعمق ما يتركه وراءه.فالتاريخ لا يخلّد من امتلكوا السلطة فقط، بل يخلّد من امتلكوا شجاعة اختيار الوطن قبل المناصب.
























