المواطن نت- عيسى الجبولي
في ظل التحديات التي تواجه العملية التعليمية، تبرز شخصيات تربوية متميزة تسهم في إحداث فارق حقيقي في الفكر والممارسة.
ومن بين هذه النماذج الملهمة، تأتي الموجِّهة التربوية القديرة انتصار عبد الرحمن سلام القاضي، التي كان لها أثر بالغ في تشكيل رؤيتي التربوية وتعميق فهمي لمهنة التعليم.
فليسمح لي القراء ، أن أسلط الضوء على تجربة إنسانية وتربوية ثرية، كان لها دور كبير في تثقيفي وتطوير نظرتي نحو العملية التعليمية بروح إيجابية واعية.
مسيرة علمية ومهنية
تلقت الأستاذة انتصار تعليمها الأساسي في مدرسة الجيل الجديد (مذاحج)، ثم واصلت دراستها الإعدادية والثانوية في مدرسة بلقيس بمدينة تعز.
حصلت على درجة البكالوريوس في التربية – قسم الأحياء – من كلية التربية بتعز عام 1990م، قبل أن تبدأ مسيرتها المهنية كمعلمة لمدة خمسة عشر عامًا، تنقلت خلالها بين مختلف المراحل الدراسية من الصف السادس حتى الصف الثالث الثانوي.
وفي عام 2002م، نالت درجة الماجستير في طرق التدريس من جامعة بغداد، لتعود بعدها وتعمل موجهة تربوية في مديرية المظفر، حيث استمرت في عطائها حتى أُحيلت إلى التقاعد عام 2025م.
حوارات تصنع الوعي
رغم ندرة اللقاءات التي جمعتني بها في إطار أسري، إلا أن تلك اللقاءات كانت تتحول إلى جلسات تربوية ثرية، نناقش فيها قضايا عميقة تمس جوهر العملية التعليمية. وكانت تمتاز بطرح أسئلة تفتح آفاق التفكير وتدفع نحو مراجعة القناعات.
في أحد اللقاءات، طرحت سؤالًا محوريًا: متى يبدأ الاهتمام بالطفل؟ فبينما كان الاعتقاد السائد أنه يبدأ في مرحلة الطفولة المبكرة، أوضحت أن الأمم المتقدمة تبدأ الاهتمام بالطفل منذ أن يكون جنينًا في بطن أمه، من خلال الرعاية الصحية والغذائية المتكاملة، مؤكدة أن بناء الإنسان يبدأ قبل ولادته.
كما شبّهت ذلك بعالم النحل، حيث يحدد نوع الغذاء مصير اليرقة، سواء أصبحت ملكة أو عاملة، في إشارة عميقة إلى أثر الرعاية المبكرة في تشكيل شخصية الإنسان.
فلسفة التعليم والمعلم
وعند الحديث عن المعلم، لم تكتفِ بالتعريف التقليدي، بل استعرضت رؤى فلاسفة ومفكرين، مؤكدة أن المعلم الحقيقي هو من يبسط المعارف، ويلهم طلابه، ويقودهم لاكتشاف ذواتهم.
كما بيّنت أن المعلمين يتفاوتون في تأثيرهم، فمنهم من يكتفي بنقل المعلومة، ومنهم من يشرح ويبرهن، وصولًا إلى المعلم العظيم الذي يُلهم ويغرس حب التعلم.
وفي سياق الأزمات والحروب، أكدت أن دور المعلم يتجاوز التعليم الأكاديمي ليصل إلى إعادة بناء الأمل في نفوس الطلاب، وتعزيز قدرتهم على الصمود واختيار مواقفهم رغم الظروف الصعبة.
دور الموجه والقائد التربوي
وحول دور الموجه التربوي، أوضحت أنه ليس مجرد رقيب على الأخطاء، بل هو محفّز للتعلم، وداعم للمعلم، يساعده على اكتشاف إمكاناته وتطوير أدائه.أما القائد التربوي، فهو – في نظرها – من يضيء الطريق للآخرين، لا من يفرضه عليهم، ويعمل على إطلاق الطاقات الكامنة في المعلمين والطلاب، مؤمنًا بأن أعظم القادة هم من يصنعون قادة آخرين.
التربية والقيم
وفي تعريفها للتربية، أكدت أنها عملية بناء للفكر، وليست مجرد نقل للمعلومات، مستشهدة برؤى فلسفية تؤكد أن التعليم الحقيقي هو الذي يعلم الإنسان كيف يفكر.أما القيم، فقد لخصتها بعبارة عميقة:”القيم وحدها لا تكفي، بل الأهم هو التمسك بها عندما تكون مكلفة.”مشيرة إلى أن القيم الحقيقية تُختبر في المواقف الصعبة.
خاتمة
إن تجربة الأستاذة انتصار القاضي تمثل نموذجًا حيًا للمربي الذي يجمع بين العلم والخبرة، وبين الفكر والممارسة. وهي تذكير بأن العملية التعليمية لا تُبنى بالمناهج فقط، بل بالعقول الواعية والقلوب المؤمنة برسالتها.


























