المواطن نت- كتابات/ فهمي محمد
في المشهد اليمني المعقد، حيث تتشابك خيوط الحرب والسياسة والهوية، يبرز سؤال القيادة العسكرية وأهمية الحاضنة الشعبية كأحد أكثر الأسئلة إلحاحاً ومصيرية في المعركة الجارية، ليس فقط بالنسبة لمستقبل الشرعية اليمنية، بل ولمستقبل الدولة ذاتها بكل رموزها ومؤسساتها.
هذا السؤال، الذي قد يبدو للوهلة الأولى تقنياً أو عسكرياً بحتاً، هو في جوهره سؤال وجودي يتعلق بطبيعة العلاقة بين الجيش والمجتمع، وبين القائد والمسؤولية، وبين المؤسسة الحاكمة وذاكرتها الوطنية. غير أن هذا السؤال، على تجريده، يجد في “الحجرية” و”عدنان الحمادي” نموذجاً مضيئاً يعيده إلى الأرض في سياق التجربة الثورية؛ نموذجاً يجسد ذروة التماهي الوطني بين القيادة العسكرية والحاضنة الشعبية حين تكون القيادة ابن الشعب ورمزه، كما تجسدت في القائد عدنان الحمادي.
لكن في سياق التجربة نفسها يتحول هذا النموذج المضيء إلى مرآة موجعة حين نقارنه بالقيادات التي خلفته؛ فيكشف عندئذ عن هشاشة العلاقة وعمق الشرخ الذي أصاب الحجرية بعد غياب الحمادي، ويطرح تساؤلات موجعة عن معنى السقوط الحضاري والثقافي وحتى المجتمعي قبل السقوط العسكري.
إن معركة الشرعية اليمنية، في هذه المرحلة الدقيقة، لم تعد تحتمل أي ترف نظري أو تردد في اتخاذ القرار. فكل قرار، وخاصة ما يتعلق بالقيادة العسكرية في هذه الظروف، يحمل في طياته ثمناً باهظاً، إما أن يدفعه الوطن من دماء أبنائه ومقدراته ومستقبله، أو تجنيه الحركة الحوثية كغنيمة مجانية. الخطأ في هذا الملف ليس مجرد خطأ إداري أو تكتيكي، بل هو قرار استراتيجي يمنح الخصم انتصارات على الأرض دون أن يخوض معركة حقيقية بقوة سلاحه، الأمر الذي يكلف اليمن المزيد من الفرص الضائعة والآلام الممتدة، والانكسارات المتناسخة.
سؤال القيادة العسكرية والحاضنة الشعبية يجب أن يكون حاضراً دائماً في وعي رئيس مجلس القيادة الرئاسي، ليس لأنه صاحب صلاحية التعيين فحسب، بل لأنه المسؤول الأول عن صون الشرعية ومستقبلها، وعليه أن يدرك أن جوهر الأزمة ليس في نقص السلاح أو العتاد، بل في غياب القائد الذي يستطيع أن يترجم إرادة المجتمع إلى انتصارات عسكرية.
في معركة المواجهة مع الحركة الحوثية القتال بالمجتمع أهم بكثير من القتال بالسلاح.
عندما نطرح سؤال النموذج في هذه المقالة ونقول: “لماذا سقطت الحجرية؟ وهل كان سقوطها ممكناً لو كان القائد عدنان الحمادي حياً؟” فإننا هنا لا نتحدث عن تحليل معركة عسكرية عابرة، كتلك التي تدور في صحاري الجوف أو على سواحل باب المندب، بل نتحدث عن سؤال يتعلق بجغرافية الإرث السياسي الجمهوري بكل ثقله.
فسقوط الحجرية، بكل ما تحمله من إرث حضاري وتاريخي وسياسي وثقافي وعلمي، دون مقاومة تذكر، ودون ملحمة بطولية تبرر هذا الانكسار، هو أمر يتجاوز بكثير كونه خسارة عسكرية.
إنه انكسار في الوجدان الوطني، انكسار في الذات المجتمعية التي ظلت منذ عقود طرفاً في معادلة الصراع مع سلطة اللاهوت السياسي وسلطة الاستبداد. والسؤال الأكثر إيلاماً يقول: كيف تسقط هذه المنطقة أمام حركة طائفية هي في قاموس الحجرية نقيض لكل ما هو مشرق في تاريخ المعافر؟
الحوثي، بمنظومته الفكرية والسلوكية، هو نقيض جوهري لكل حجري، نعم بكل ما يمثله الحجري من انفتاح وعلم ومدنية وإيمان راسخ بفكرة الدولة والمواطنة والديمقراطية. هذا التناقض الجوهري هو ما يجعل السقوط غير مفهوم إلا من زاوية واحدة: غياب الذات الحجرية عن معركة الدفاع عن نفسها في الحرب الأخيرة.
إن التاريخ والثورة وفصول الجمهورية كلها تروي حقيقة واحدة: الحوثي نقيض جوهري لكل حجري وعلى كل المستويات. وهذا يعني أن سبب سقوط الحجرية لا يعود إلى تفوق الحركة الحوثية عسكرياً، ولا إلى فقدان الحجرية لأهليتها للدفاع عن الثورة والجمهورية، بل يعود إلى حقيقة أعمق وهي: أن الحجرية فقدت الذات التي تمثلها على مستوى القيادة العسكرية. بعبارة أخرى، القيادة العسكرية التي كانت تمثل روح الحجرية وذاكرتها الوطنية لم تكن موجودة في معركة المواجهة العسكرية، وكأنها رحلت مع رحيل القائد عدنان الحمادي.
نعم، سارت أطقم ومدرعات الحوثي على جغرافيا الحجرية دون أن تتصادم فعلياً مع روح الحجرية أو تتقاتل معها. لم تكن الحجرية حاضرة في وجه المقاتل الحوثي، وبدا المشهد وكأن الحوثيين يتقدمون في مديريات صعدة وعمران وحرف سفيان، وليس في معاقل الحجرية. وهنا يكمن جوهر المأساة: السقوط لم يكن عسكرياً، بل كان سقوطاً في الوعي والتمثيل والرموز الوطنية والحضور المجتمعي.
إذن، فإن البحث عن أسباب سقوط الحجرية في انسحاب الجبولي أو هروب الشمساني أو تقصير الشراجي أو سرديات الخيانة هو بحث في عوامل ثانوية، مهما كانت مهمة، ويجب التحقيق فيها. لكن جوهر السقوط يكمن في غياب الذات الحجرية عن جبهات القتال. هذا الغياب هو الفراغ الكبير الذي تقدمت فيه الحركة الحوثية بسرعة البرق. والسؤال المطروح ليس فقط لماذا غابت الحجرية، بل بأي معنى غابت؟ ومن المسؤول عن هذا الغياب؟ ومتى كان ؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة تتطلب فهماً عميقاً للعلاقة بين القيادة العسكرية والحاضنة الشعبية، وهي علاقة لا تقوم فقط على الأوامر والطاعة، بل على الثقة والتمثيل والوجدان المشترك، وهي لن تكون علاقة متينة وتكاتفاً مصيرياً في أرض المعركة إلا عندما ترى في ملامح القيادات العسكرية تقاسيم وجوه المواطنين وعرق جبينهم. لهذا، عندما قررت الحركة الحوثية بدء معركة الاقتحام، كانت تدرك مسبقاً أن أصابع الذات الحجرية لم تكن موجودة على زناد البنادق، وكانت تدرك أن القيادات العسكرية بلا حاضنة شعبية.
إذا كان هناك زمن ووقائع يمكن أن يقاس بها سقوط الحجرية، فإن يوم اغتيال القائد عدنان الحمادي كان بداية هذا الزمن. فالحمادي لم يكن مجرد قائد عسكري، بل كان القائد الذي احتضنته الحجرية بوصفه ابنها ورمزها، وظل طوال سنوات قيادته يحظى بحاضنة شعبية واسعة التفّت حوله في السلم والحرب، ومنحته شرعيته من قلب الوجدان الجمعي لا من وثائق التعيين. كان الناس يرون فيه ممثلاً حقيقياً لذات الحجرية، يرون فيه قائدهم لا قائد اللواء 35 فقط، وفي الوقت نفسه كان عدنان الحمادي يستمد قوته من هذه الحاضنة بقدر ما تستمد هي منه الأمان. ولهذا، حين اغتيل الحمادي، لم يُغتل قائد عسكري فحسب، بل اغتيلت تلك العلاقة الوطنية بين القيادة والمجتمع، ودخلت معه الحجرية مرحلة من الفراغ الوجداني لم تستطع أي قيادة عسكرية لاحقة أن تملأه بشكل عام وعلى المستوى الإجتماعي بشكل خاص، تم فرض قيادة عسكرية غير مؤهلة لقيادة الذات الحجرية.
المشكلة ليست في أن الجبولي كان مراسلاً صحفياً تحول إلى قائد محور، فكثير من الثورات حولت المدنيين إلى عسكريين كبار. وليست المشكلة في أن الشمساني لا يملك شجاعة الحمادي أو شخصيته. المشكلة الحقيقية هي فشل هؤلاء وغيرهم في أن يكونوا قادة عسكريين ورموزاً وطنية في الوجدان الشعبي، وفي تمثيل الذات الحجرية في قيادتهم العسكرية. هذا هو الفرق الجوهري بينهم وبين الحمادي: فرق في استشعار أهمية الحاضنة الشعبية بالنسبة للمؤسسة العسكرية، خصوصاً في زمن الحرب. فالحمادي لم يكن يحتاج إلى أن يطلب من الناس القتال، لأن الناس كانوا يرون في القتال معركته ومعركتهم في آن واحد.
الجبولي، الذي شغل قائد محور عسكري، لم يقدم نفسه يوماً للمواطنين كصاحب مسؤولية وطنية. لم يكن في حسابه سؤال الذات الحجرية أو الحاضنة الشعبية. لذلك، اعتقل وعذب واقتحم بيوتاً وقرى وارتكب مخالفات وانتهاكات، وأعطى لنفسه الحق في الخوض في قضايا وتفاصيل وممارسات ليست من صلاحيات القوات المسلحة، هذا على سبيل المثال. وعلى هذا الأساس اتسعت الهوة عاماً بعد عام بين العقل الجمعي وبين المؤسسة العسكرية. وعندما اقتحمت مليشيات الحوثي مناطق الحجرية، كانت الذات الحجرية تعيش حالة صراع مع المؤسسة العسكرية والأمنية داخل الحجرية.
نعم، لم تكن هذه الذات موجودة في الثغور، الأمر الذي يعني أن استدعاء المجتمع الحجري إلى جبهات القتال تحت هذه القيادة كان أمراً غير ممكن، لأن الثقة كانت قد اهتزت، ولأن القائد لم يعد يمثل الذات التي يدعوها للقتال. لهذا، فإن انسحابات الجبولي وغيره لم تكن أمام ضربان سلاح الخصم، وليس بسبب السلاح النوعي لدى الخصم، بل كانت انسحاباً من أمام سؤال الحاضنة الشعبية الذي تحول إلى خوف يلاحقة في الوديان والشعاب؛ بمعنى آخر، كان الانسحاب ناتجاً عن إدراك القيادة العسكرية أنها تقاتل الحوثيين بسلاحها ولا تقاتلهم بمجتمعها.
سقوط الحجرية لم يكن هزيمة عسكرية بقدر ما كان انكساراً في العلاقة بين القائد والمجتمع. إنه انكسار يذكرنا بأن الجيوش لا تقاتل فقط بالسلاح، بل بالشرعية التي يمنحها إياها المجتمع. فعندما تفقد القيادة العسكرية قدرتها على تمثيل الذات الشعبية، وعندما تتحول إلى قوة غريبة عن وجدان الناس، فإنها تفقد قدرتها على استدعاء الحاضنة الشعبية إلى جبهة المواجهة، ويصبح السقوط مسألة وقت.
استعادة الحجرية، إذن، لا تبدأ باستعادة الجغرافيا، بل باستعادة الثقة بين القيادة العسكرية والمجتمع، وبإعادة بناء قيادة عسكرية قادرة على أن تكون في الوجدان الشعبي كما هي على الخريطة العسكرية. وهذا ما يجب أن يلوح في أفق القرارات الأخيرة التي أصدرها رئيس مجلس القيادة الرئاسي بخصوص تغيير القيادة العسكرية، ويجب أن يكون في حسبان الرئيس في كل قراراته العسكرية في المستقبل.

























