المواطن نت- كتابات/ فهمي محمد
قد يبدو العنوان متناقضاً، لكن الواقع اليمني يُثبت يوماً بعد يوم أن الحرب ليست نقيض السلام، بل هي أقصر الطرق إلى تحقيقه. لم تنجح طاولات الحوار المتعاقبة، منذ مباحثات الكويت في عام 2016 وصولاً إلى اتفاق ستوكهولم في عام 2018، في تحقيق أي تقدّم جوهري.
بل إن أي قراءة نقدية لتلك الجولات من المفاوضات السياسية تكشف أن الحوثيين تعاملوا معها كأداة لشرعنة واقعهم العسكري، وكسب الوقت لتعزيز قواتهم، وترسيخ القناعة بأن الشرعية والتحالف أصبحا في موقع أضعف، يسيران من وهن إلى وهن في معادلة الحرب.
ففي كل المفاوضات، لم يكن المطلوب من طاولة الحوار، في حسابات الحركة الحوثية، سوى شرعنة الواقع الذي فرضه سلاحها وآلة حربها على اليمنيين. وعلى هذا الأساس، ظلت المفاوضات تمنح الحوثيين مزيداً من الوقت والقوة العسكرية والثقة المتجددة، بأن الخصم في طريقه إلى الضعف والتسليم في نهاية المطاف لهم، بدلاً من فرض السلام عليهم.
هنا يبرز سؤال جوهري: لماذا فشلت كل جهود الوساطة؟ الإجابة ليست في تعنّت الحركة الحوثية على طاولة المفاوضات فقط، بل في طبيعة المشروع الحوثي نفسه. فثقافة الحركة وفكرها يمثلان أسوأ تعبيرات العقل السياسي الموروث في اليمن، ذلك العقل القائم في الأساس على تعطيل العقل، والاتكاء على العصبية المذهبية، وسلطة السلاح وبطش المليشيات التي تبث الرعب.
المشروع السياسي للحركة الحوثية لا يتناقض فقط مع فكرة الدولة الوطنية الاتحادية، بل يتنافى مع أي تصوّر سياسي يتعاطى وطنياً مع فكرة التداول السلمي للسلطة. والمشكلة أنها اليوم ليست مجرد جماعة متمردة في جبال اليمن كما كانت، بل أصبحت سلطة أمر واقع، تحكم معظم سكان اليمن وتعيق مستقبل اليمنيين جميعاً.
على هذا الأساس، فإن استشراف المشهد السياسي اليمني يجعلنا أمام ثلاثة سيناريوهات لا رابع لها:السيناريو الأول: سيطرة الحركة الحوثية عسكرياً على كامل المحافظات اليمنية. وهذا السيناريو مستحيل الحدوث، ليس فقط لأن المعطيات الداخلية تجعل الحركة الحوثية غير قادرة على ابتلاع اليمن وإخضاع جميع اليمنيين لسيطرتها، بل لأن المجتمع الدولي هو الآخر لن يقبل بهذا السيناريو، لأنه، ببساطة شديدة، يعني تسليم اليمن بموقعها الجيوسياسي والاستراتيجي إلى دولة إيران. وربما أن هذه الأخيرة نفسها تدرك أن استمرار الحركة كورقة ضغط مليشاوية أقوى وأجدى من تحويلها إلى سلطة شاملة تواجه التزامات الدولة ومتطلباتها، مما يجعل السيناريو الأول مستبعداً حتى من وجهة نظر الداعم الإقليمي نفسه.
السيناريو الثاني: تحرّك الشرعية عسكرياً واستعادة صنعاء. وهذا السيناريو، وإن كان ممكناً وليس مستحيلاً، إلا أنه، من جهة أولى، مرتبط بوحدة قرار الشرعية عسكرياً وسياسياً في الواقع العملي. ومن جهة ثانية، يواجه فيتوً دولياً يتمثل، في المقام الأول، في مخاوف العديد من الدول العظمى من مصير السلاح بعد معركة صنعاء ووقوعه في يد المتطرفين، خصوصاً وأن الشرعية، حتى الآن، لم تستطع أن تضم كل التشكيلات العسكرية في المناطق المحرّرة تحت قيادة وزارة الدفاع ورئاسة الجمهورية.
وفي المقام الثاني، ما زالت حسابات أمريكا وبريطانيا، على وجه الخصوص، ترى في وجود الحركة الحوثية في اليمن ورقة استثمارية ناجعة؛ تُوظَّف في سياسة استعادة الدولارات المدفوعة من جيب المواطن الغربي مقابل شراء النفط الخليجي، وأفضل طرق الاستعادة تتمثّل في اضطرار دول الخليج إلى شراء صفقات سلاح كبرى من الدول الغربية. وهذا يتطلب، في واقع الحال، وجود خطر يهدد الأمن القومي لهذه الدول، وعلى وجه الخصوص المملكة العربية السعودية.
وهذا الكلام ليس تحليلاً سياسياً، بل معلومة قرأتها في أحد كتب محمد حسنين هيكل قبل أحداث الربيع العربي، حيث يتحدث صاحب الكتاب أن استعادة الدولارات هي سياسة أقرتها الإدارة الأمريكية.إذن، وجود الحركة الحوثية في اليمن بكونها أحد الأذرع الإيرانية تجاه دول الخليج، يدفع هذه الأخيرة إلى شراء السلاح واعتماد سياسة الحماية الغربية.
ولهذا تدخلت بريطانيا وأمريكا في إيقاف معركة الحديدة، فسقوط هذه الأخيرة لا يعني سقوط محافظة بيد الشرعية بل خنق الحركة الحوثية وقطع شريانها. وحتى عندما دخلت أمريكا في حرب مباشرة مع الحركة الحوثية، حرصت على أن تظل الحرب بعيدة عن تدخّل قوات الشرعية في حسم المعركة. وحتى تصريحات ترامب كانت واضحة بأنه لا يريد القضاء على الحركة الحوثية في هذه الحرب، بل إجبارها على عدم التعرض لحرية الملاحة في البحر الأحمر، مع أنه كان من اليسير جداً الزحف البري نحو صنعاء بالتزامن مع القصف الجوي الأمريكي، هذا يعني أن أمريكا وبريطانيا تريدان فقط ضبط إيقاع الحركة الحوثية وليس القضاء عليها.
يبقى السؤال المطروح هنا: هل تستطيع الشرعية أن تفرض خوض معركة تحرير صنعاء كأمر واقع، بتجاوز برجماتية هذه الحسابات السياسية الغربية؟ نعم، تستطيع، بشرط أن تنجح أولاً في خلق نموذج الدولة الوطنية في المناطق المحرّرة، واعتمادها على جيش وطني موحّد يخضع لوزارة الدفاع وقيادة رئيس مجلس القيادة، ويدين في الوقت نفسه لفكرة الدولة الحاكمة.
وبلا شك، فإن نجاح الشرعية في بناء هذا النموذج من شأنه أن يغيّر المعادلة الدولية، إذ سيجد الغرب نفسه أمام خيار التعامل ليس مع سلطة أمر واقع، بل مع دولة قادرة على تقديم ضمانات أمنية واستراتيجية أكثر استقراراً وجدوى على المدى البعيد.
السيناريو الثالث: بقاء الوضع في اليمن في إطار التهدئة القائمة منذ سنوات. وهذا السيناريو لن يقود اليمن إلى سلام مستدام على الإطلاق، حتى وإن نجح الأطراف في حلحلة الملفات الإنسانية. والسبب في ذلك أن الحركة الحوثية التي استغلت سنوات الحرب في الحصول على الدعم والسلاح الإيراني، بحيث تحولت من الدفاع إلى الهجوم الذي طال عمق المملكة العربية السعودية، هي نفسها التي استغلت سنوات التهدئة القائمة للحصول على مزيد من هذا السلاح، ناهيك عن تزايد الحرص الإيراني على تسليح الحركة الحوثية واستخدامها في معادلة الصراع مع الغرب، خصوصاً بعد انهيار حزب الله وسقوط نظام الأسد.
ولهذا نجد هذه الأيام أن تصعيد الحركة الحوثية في باب المندب بحجة كسر الحصار، يأتي أولاً في سياق مساندة إيران التي تتعرض للقصف الأمريكي، وثانياً بهدف فتح مطار صنعاء أمام الطيران الإيراني للحصول على الدعم العسكري، بعد أن أعاقت القوات الأمريكية المتواجدة في بحر العرب وخليج عمان ومضيق هرمز تهريب السلاح بحراً إلى صنعاء، الأمر الذي يجعل الملاحة الجوية هي الشريان البديل في حسابات الحركة الحوثية.
التهدئة القائمة منذ سنوات لن تؤدي إلى تحقيق السلام في اليمن، بل عملت على الاستعداد المكثف للحرب، خصوصاً في ظل تراخي الإقليم والمجتمع الدولي مع الحركة الحوثية. على هذا الأساس، أستطيع الجزم بأن التهدئة القائمة، حتى لو نجحت في حلحلة الملفات الإنسانية والاقتصادية، فإن الانتقال إلى الملف السياسي سوف يكشف حقيقة أن الحركة الحوثية تريد من السلام في اليمن هو إيقاف الحرب والتسليم بالواقع الذي صنعه سلاحها وخطرها في البحر الأحمر.
بمعنى آخر، سوف تحاور على أساس أن يُسلِّم الآخر بوجودها العسكري وكسلطة حاكمة في العاصمة صنعاء، وليس بوجودها كمكون سياسي في ظل وجود دولة حاكمة في اليمن. ومالم تحصل على ذلك، سوف تستمر سلطة الحركة المليشاوية، وسوف تستمر حالة الحرب، وهذا ما تريده دولة إيران حتى تحسم أمرها مع الغرب في أقل تقدير.
بناءً على ذلك، كان من الطبيعي أن تلجأ الحركة الحوثية مؤخراً إلى تصعيد جديد في البحر الأحمر ومهاجمة السعودية بحجة “كسر الحصار”. غير أن نتائج هذا التصعيد المزدوج مع السعودية والشرعية ستشكل مفترق طرق ومنعطفاً تاريخياً حاسماً: إما منح الحوثيين مزيداً من القوة وفرض شروطهم، أو بداية حقيقية لتراجعهم. وفي كلا الاحتمالين، تبقى الحقيقة واحدة: أن الحوثيين لن يذهبوا إلى طاولة سلام جاد ما لم يُكسروا عسكرياً بشكل حقيقي، وما لم تثبت الشرعية والتحالف أن السلاح ليس ورقة رابحة، بل طريقاً إلى الهاوية.
فالتاريخ يعيد نفسه في اليمن، ففي كل مرة جلس فيها الحوثيون إلى طاولة مفاوضات، كانوا يخرجون منها أكثر قوة وثقة، مستغلين التراخي الدولي والإقليمي، ومستثمرين الوقت والسنوات لتعزيز قدراتهم العسكرية.
في ظل هذه السيناريوهات المعقدة، يطرح السؤال القائل: ماذا يجب أن يتحقق في الواقع “ابتداءً” حتى تكون أي خارطة طريق قادرة على تحقيق السلام في اليمن؟ في اعتقادي أن تخلي إيران عن الحركة الحوثية هو المدخل الحقيقي لتحقيق السلام. وإذا كان ذلك مستحيلاً في واقع الحال، فإن كسر الحركة الحوثية عسكرياً هو أفضل الممكنات لإجبارها على سلام عادل وشامل في اليمن.
وإذ كانت كل السيناريوهات المحتملة تؤدي إلى الحرب، فإن كسر الحركة الحوثية عسكرياً هو من سيجعلها تتخلى عن وهم استسلام السعودية والشرعية، وهو من سيصنع السلام لليمنيين.
وهنا لا بد من قراءة تجربة الصراعات الممتدة في المنطقة، حيث ثبت أن الجماعات المسلحة التي تُبنى على مشاريع أيديولوجية وعسكرية لا تتراجع إلا تحت وطأة الهزيمة العسكرية الماحقة، وأن أي تسوية سياسية قبل ذلك لا تكون إلا تأجيلاً للصراع وليس حلاً له. وهذا ما يجعل الخيار العسكري ليس خياراً مفضلاً بقدر ما هو خيار إجباري تفرضه طبيعة الخصم وتعقيدات المشهد في اليمن.
إن السلام الحقيقي في اليمن لا يعني إيقاف الحرب، ولا حتى نجاح الأطراف في تسوية سياسية تجعلهم شركاء في السلطة، بل يبدأ من نقطة اقتناع الجميع بأن الحل الوحيد هو الاحتكام لسلطة الدولة الوطنية، والتداول السلمي للسلطة، وخلق اتفاقات ملزمة تنتج دولة ديمقراطية اتحادية حقيقية.
وبدون ذلك، سينتقل اليمن، في أحسن الأحوال، إلى إيقاف القتال مع الإبقاء على الأسباب الحقيقية المنتجة للحرب. وهذا ليس سلاماً، بل تجميد للنزاع وتأجيل للقرارات المصيرية، بحيث يترك الشعب اليمني معلقاً بين مطرقة الحرب وسندان السلام الوهمي.
هنا تبرز الأسئلة الأكثر إلحاحاً التي يجب أن تواجه صناع القرار وحتى المجتمع الدولي: هل الحركة الحوثية في وادي الدولة الوطنية والتداول السلمي للسلطة؟ وهل بالإمكان اليوم أن تصبح طرفاً إيجابياً في مفاوضات تؤدي إلى دولة وطنية؟ أم أن إجبارها على هذا الخيار العادل هو الحل الوحيد؟ ولماذا؟ الإجابة، كما يبدو من سياق التحليل، هي أن الحوثي لم يترك لليمنيين خياراً سوى خيار الحرب، ليس لأن الحرب قيمة في ذاتها، بل لأنها الطريق الوحيد لإنهاء حالة التعايش مع تناقض صارخ يؤدي إلى مزيد من الكوارث: وجود سلطة أمر واقع ترفض الدولة، وإصرار دولي على تسوية لا تنتج سلاماً حقيقياً، ورهان على مفاوضات تجيد الجماعة استثمارها وتحويلها إلى مكاسب سياسية وعسكرية على الأرض.
إن معادلة اليمن اليوم واضحة ومؤلمة في آن واحد: إما حرب تفتح الطريق لسلام دائم، أو سلام وهمي يبقي الباب مفتوحاً لحرب دائمة. الخيار يبدو في الأفق قريباً، لكن الثمن سيكون باهظاً، وبدون شك سيكون مضاعفاً في حال الرضوخ. الجميع يعرف أن الحوثي لا يفهم لغة الحوار، لكنه يتقن لغة السلاح، وربما آن الأوان لمخاطبته باللغة الوحيدة التي يفهمها، ولو كان الثمن هو الدماء التي لم تتوقف منذ سنوات.
ففي النهاية، يظل السؤال المعلّق: هل نمتلك الشجاعة لاتخاذ قرار الحرب الذي يكسر غطرسة الحركة الحوثية ويجبرها على السلام، أم سيظل اليمن رهينة لمعادلة لا تخدم سوى القوى الإقليمية والدولية على حساب شعب يئن تحت وطأة الحرب والفقر والحصار والانقسام؟
أخيراً: يحدثنا التاريخ أن ونستون تشرشل، الذي حذر طويلاً من سياسة الاسترضاء، التي نهجها رئيس الوزراء البريطاني السابق نيفيل تشامبرلين، خاصة بعد اتفاقية ميونيخ عام 1938م. قال لشعبه في خطابه الأول كرئيس للوزراء 13 مايو عام 1940، في وجه غطرسة هتلر الطاغية النازي: “ليس لدي ما أقدمه سوى الدم والعناء والدموع والعرق، فقاتلوا في كل مكان، في السهول والجبال والبحار”، فأعلن بذلك عزم بلاده على خوض الحرب لا من أجل الهزيمة، بل من أجل تحقيق النصر والحفاظ على الحرية والكرامة، وكان له ما أراد.

























