المواطن نت- فهمي محمد
منذ أن فقدت الحرب العسكرية جديتها وروحها الوطنية في مواجهة الحركة الحوثية، توقفت الجبهات العسكرية تدريجياً عن إطلاق الرصاصة الثائرة في وجه الانقلاب الرجعي، وأصبحت حدود المواجهة العسكرية في هذه الجبهات وكأنها ترسم خريطة مستقبلية للحدود السياسية الفاصلة والمعترف بها للسلطات الحاكمة في اليمن، بدلاً من أن تكون مجرد تموضعات عسكرية وقتية في معركة وطنية مستمرة ضد انقلاب رجعي، هدفه الأسمى القضاء على فكرة الدولة، وعلى مبدأ الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، وعلى مستقبل المشروع السياسي الوطني برمته.
إنه انقلاب يسعى بدون شك لتدمير كل المكتسبات الوطنية التي انتزعها اليمنيون (على المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية) بكفاح امتد لسنوات وعقود طويلة، منذ ثورتي سبتمبر وأكتوبر المجيدتين وصولاً إلى ثورة 11 فبراير 2011م، التي فعلاً منحت اليمنيين مشروعاً سياسياً وطنياً ديمقراطياً اتحادياً صاغته كل القوى السياسية في اليمن، وذلك لم يحدث مطلقاً في تاريخ اليمن.لهذا، أوكد دائماً على حقيقة أن انقلاب الحركة الحوثية في 21 من سبتمبر 2014م لم يكن مجرد انقلاب سياسي بالمعنى التقليدي الهادف إلى السيطرة على مقاليد السلطة والثروة فحسب؛ بل هو انقلاب تاريخي، مشروعه إعادة اليمن إلى عصور الانكفاء والماضي السحيق، حيث تصبح الشرعية الوحيدة “للحكم” هي نسب الحاكم “المصطفى من الله تعالى” لا انتخابه من قبل الشعب. إنه مشروع يعيد إنتاج صراعات القرون الغابرة.فالحاكم في اليمن في ظل سلطة الحركة الحوثية لا يمكن أن يكون إلا “الإمام علي بن أبي طالب” ومعارضوه لا يمكن أن يكونوا سوى “معاوية بن أبي سفيان”.
هكذا يُؤدلج الوعي السياسي المجتمعي ويُخدج العقل الجمعي في مناطق سيطرة الحركة الحوثية، إنه محو تام للحضارة اليمنية ولتاريخ اليمن الحديث والمعاصر، وحتى لكفاح الإنسان اليمني في سبيل الحرية والعدالة والكرامة، ناهيك عن كفاحه السياسي في سبيل الديمقراطية والتعددية السياسية.
إذا كان مثل هذا الانقلاب على مستقبل الشعب وإرادته يستوجب الاستمرار في مواجهته دون انقطاع، وبكل السبل الممكنة. فإن المفارقة أن مهمة مواجهته وإسقاطه في اليمن تحولت في حسابات قوى الشرعية إلى رهان سياسي يُعوَّل على تحقيقه من الخارج فقط، وأكثر من ذلك، يُعوَّل عليه كنتيجة أو تداعيات لأحداث عسكرية إقليمية كبرى، وليس كقرار مستقل يستهدف سلطة الحركة الحوثية والقضاء عليها بشكل مباشر.فمثل هذا القرار المُعوَّل عليه خارجياً في مسألة القضاء على الحركة الحوثية لم يُتخذ حتى في سياق المواجهات العسكرية المباشرة بين الحركة الحوثية والولايات المتحدة الأمريكية؛ فعندما قصفت الأخيرة مواقع الحوثيين، عملت في الوقت نفسه على تحييد قوات الجيش الوطني التابع للحكومة الشرعية ومنعها من استغلال الفرصة على الأرض، مما يؤكد أن الأولويات الأمريكية لا تتطابق بالضرورة مع أولويات الشرعية في إنهاء انقلاب الحركة الحوثية وإسقاط سلطتها في صنعاء.
منذ سقوط حزب الله في لبنان، وتَبِعَه نظام الأسد في سوريا، وصولاً إلى العملية العسكرية الأمريكية الأخيرة التي استهدفت اليمن، واليمنيون مع هذه الأحداث يتفاءلون ويعتقدون أن ذلك سوف يؤدي تِباعاً إلى سقوط سلطة الحركة الحوثية في صنعاء. لكن ذلك لم يتحقق، وعدم تحقيقه يعني تمكين الحركة الحوثية من الحصول على مزيد من الوقت لتعزيز قوتها عبر تحويل الجبال إلى مخازن سلاح وملاجئ محصنة تستخدمها في الحروب القادمة.
مع توجيه الضربات العسكرية الجارية لإيران، تعزز هذا التفاؤل الخاطئ مدعوماً بمقولة “ضرورة ضرب رأس الأفعى” (في إشارة إلى إيران) للقضاء على الأطراف، لكن هذا السيناريو، في نظري، لن يتحقق حتى وإن تم ضرب رأس الأفعى. والسبب بسيط، وهو لا يعود فقط إلى أن الفاعل الخارجي (أمريكا وبريطانيا) لن يتخذ كعادته قراراً جذرياً بالقضاء على الحركة الحوثية في اليمن حتى لو تدخلت الحركة في الحرب مع إيران، بل لأن الدولتين ترَيان في وجود الحركة الحوثية فرصة ذهبية لمواصلة سياسة “عبقرية” (من وجهة نظرهما) معمول بها منذ عقود.
أتحدث هنا عن كيفية استثمار الوجود الحوثي في اليمن لخدمة سياسة أمريكية قديمة، أُقرت قبل خمسة عقود من قبل الإدارة الأمريكية، وتعني: استعادة الدولار الأمريكي المدفوع مقابل شراء برميل النفط الخليجي.
أتذكر أني قبل ثورة الشباب بسنوات قرأت في أحد كتب الأستاذ محمد حسنين هيكل عن القلق الذي ساد الإدارة الأمريكية في سبعينيات القرن الماضي بخصوص تكدس الأموال لدي دول الخليج من عائدات النفط. حيث طُرح في اجتماع رسمي السؤال المصيري: كيف يمكن استعادة الدولار المدفوع من جيب المواطن والشركات الأمريكية (مقابل النفط) إلى داخل الخزينة الأمريكية؟وعلى إثر ذلك تم إقرار سياسة استراتيجية تدفع دول الخليج إلى شراء السلاح الأمريكي الباهظ الثمن، وجعلها في حاجة دائمة إلى الحماية الأمريكية. وهذه الحماية لن تتحقق إلا بوجود دول أو كيانات مجاورة معادية لدول الخليج النفطية.
من هنا يبرز الاحتياج الأمريكي -البراغماتي- إلى بقاء الحركة الحوثية في اليمن كـ”كابوس” مجاور وربما دائم يُبرر صفقات السلاح.يتعزز هذا الطرح عندما ندرك أننا نتزامن في حديثنا مع وجود رئيس أمريكي مثل دونالد ترامب، وهو رجل أعمال يمارس السياسة بعقلية المستثمر الذي يبحث عن الربح، والدليل على ذلك أن إدارته الأولى أبرمت أكبر صفقة سلاح في تاريخ البشرية مع السعودية، وهذه الصفقة ما كانت لتتم بهذا الحجم لولا وجود خطر الحركة الحوثية على السعودية.
الحديث هنا لا يعني أبداً أن الحركة الحوثية هي “أداة أمريكية” أو أن هناك تواطؤاً مقصوداً بين الطرفين، كلا. الحديث هنا يعني شيئاً آخر يجب على الشرعية اليمنية أن تدركه بعمق: وهو أنه في حسابات السياسة الأمريكية، هناك أذرع إيرانية “قابلة للاستثمار والاستفادة من وجودها” وهناك أذرع أخرى “غير قابلة للاستفادة”.
فحزب الله وحماس على سبيل المثال، غير قابلين للاستثمار الاقتصادي بهذه الطريقة، كما أن وجودهما على حدود إسرائيل يجعل الإدارة الأمريكية وبريطانيا أكثر ميلاً لقرار الاجتثاث العسكري.
على النقيض من ذلك، فإن الحركة الحوثية، ببعدها الجغرافي عن إسرائيل وقابليتها للاستثمار كورقة ضغط ومُبرر تسليح للخليج، تجعل واشنطن ولندن، على المدى المنظور، غير مستعدتين لاتخاذ قرار القضاء على سلطتها في صنعاء، حتى وإن تم ضرب رأس الأفعى في إيران، إضافة إلى بعض العوامل الأخرى ليس هنا محل ذكرها.
في الختام، إذا كانت الحرب على إيران وحدها لن تسقط النظام الحاكم في طهران، كما أن للأمريكان حساباتهم الخاصة التي تفضل بقاء الحركة الحوثية كورقة قابلة للتوظيف في معادلة استعادة دولار النفط على المدى المنظور، فإن هذا يعني أن على الشرعية اليمنية أن تكف فوراً عن التعويل على المتغيرات الخارجية أو الإقليمية لإسقاط الانقلاب في صنعاء.
عليها أن تعكس الحسابات وتعيد ترتيب أولوياتها في الداخل اليمني، وتخوض معركة وطنية شاملة ضد الحركة الحوثية استناداً إلى معطيات داخلية بحتة. وهذه المعطيات موجودة ومستفحلة.
فالحركة الحوثية تظل، في كل الأحوال، كياناً منفصلاً عن اليمنيين ومشروعاً دخيلاً في وعيهم الجمعي، حتى وإن امتلكت القوة العسكرية الغاشمة.
صحيح أن في مناطق الشرعية هناك تمادٍ بالفشل والإخفاق غير المبرر، لكن في مناطق سيطرة الحركة الحوثية هناك تمادٍ في الظلم والقهر اليومي، واجتثاث للهوية الوطنية، وضرب لكل القيم المدنية المتصلة بالمستقبل وطمس للانتماء اليمني الجامع، وحتى تأسيس لثقافة الفصل العنصري داخل المجتمع اليمني على أسس سلالية.
هذا التناقض الجوهري، وهذا الظلم البين على كل المستويات، يجعل من الممكن والواجب خوض معركة تحرر وطني داخلية باسم كل اليمنيين، وبإرادتهم الحرة، ضد مشروع الحوثية الإمامي الكهنوتي، لاستعادة الدولة اليمنية الديمقراطية الحديثة التي حلم بها شهداء سبتمبر وأكتوبر وفبراير.


























