المواطن نت- كتابات/ أحمد طه المعبقي
شهدت اليمن في 22 مايو 1990 حدثاً تاريخياً تجسد في قيام دولة الوحدة وإعلان دستورها الجديد. لكن هذا المنجز لم يمر بسلام، إذ سرعان ما احتدم جدل ومناظرات فكرية وسياسية عميقة بين معسكرين:
معسكر القوى التقليدية واليمين الديني الذي رفض الدستور ووصفه بـ “العلماني”، ومعسكر القوى التقدمية والمدنية بقيادة المفكر الراحل عمر الجاوي، الذي دافع عن الدستور باعتباره وثيقة للمستقبل.
ورغم أن إرادة الشعب حسمت المعركة لصالح معسكر الجاوي عبر الاستفتاء الشعبي والديمقراطي، إلا أن القوى التقليدية لم تقبل بالهزيمة السياسية، فبدأت بالإعداد والتحضير لحرب صيف 1994 الظالمة، مشكّلة تحالفاً بين الإسلام السياسي والنظام القبلي العسكري لإسقاط مشروع الدستور واغتيال روح الوحدة السلمية في 7 يوليو 1994.
لقد استند دستور دولة الوحدة بشكل رئيسي إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصادرين عن الأمم المتحدة عام 1966 كأهم وثيقتين منبثقتين عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
تكمن الأهمية الاستثنائية للعهدين الدوليين في أنهما نتاج تسوية وفلسفة حقوقية مشتركة انتجها المعسكران الاشتراكي والرأسمالي إبان الحرب الباردة، حتى ندرك التزام اليمن الاستثنائي بحقوق الإنسان، يكفي أن ننظر إلى مواقف الدول العظمى من هذين العهدين: الولايات المتحدة الأمريكية (المعسكر الرأسمالي): صادقت على العهد المدني، ورفضت المصادقة على العهد الاقتصادي والاجتماعي تهرباً من التزامات الدولة بتوفير التعليم والطباعة المجانية والحماية الاجتماعية الشاملة لمواطنيها، روسيا والصين (المعسكر الاشتراكي): تبنتا العهد الاقتصادي والاجتماعي، لكنهما تحفظتا على العهد المدني والسياسي خوفاً من استحقاقات التعددية الحزبية.
أما في اليمن، فنظراً لأن الشطرين (الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية) كانا قد صادقا على العهدين معاً قبل عام 1990، فقد أصبحت هذه الاتفاقيات ملزمة قانونياً ودستورياً لدولة الوحدة بموجب القانون الدولي، لهذا جاءت بنود دستور الوحدة اليمني لتمزج بين هذين العهدين، مما كان سوف يؤسس لنظام الديمقراطية الاجتماعية” (أو الاشتراكية الاجتماعية). وهو نظام فريد يضمن للمواطن حريته السياسية (التعددية الحزبية، حرية التعبير، والانتخابات) وبنفس الوقت يضمن حقه الاجتماعي والاقتصادي (مجانية التعليم والصحة، وتكافؤ الفرص، والعدالة في توزيع الثروة).
هذا المزيج التقدمي هو ما جعل القوى التقليدية والقبلية تشعر بالخطر على مصالحها ونفوذها، فقررت وأد هذا المشروع بواسطة الدبابات والمدافع في 7/7.
الغريب والمؤسف في الأمر، هو أن المناهج الدراسية التي انتجت بعد حرب صيف 94م جاءت تمجد الحرب وتعتبرها حرب مقدسة، وتتعامل مع نتائجها بزهو وتفاخر.
ولم يقتصر هذا الأمر على نظام 7/7 الذي أدار الحرب، بل إن الحكومات التي تعاقبت بعد انتفاضة 2011 م بدءاً بحكومة محمد سالم باسندوة وصولاً إلى الحكومات اللاحقة، استمرت في تكريس نفس السياسة التعليمية السابقة حتى يومنا هذا، تطبع المناهج التي تكرس ثقافة الحرب و الكراهية، وتعمق الشرخ الاجتماعي، وتهدد السلم المجتمعي.
نستطيع القول بأن الحروب والصراعات التي تعيشها اليمن اليوم ليست إلا امتداداً طبيعياً لحرب 7/7 الظالمة التي اغتالت دولة النظام والقانون واستبدلتها بدولة الغنيمة والفيد.
إذا أردنا الخروج من نفق الحروب المستدامة، فإننا بحاجة ماسة لمراجعة شاملة، وتغيير جذري في الفلسفة التعليمية لليمن، وإدانة العنف وتجريم الحروب الأهلية:
يجب تنقية المناهج من تمجيد الحروب الداخلية وإعادة الاعتبار لقيم التصالح والحوار السلمي. من خلال إدخال مقررات الفلسفة ومفاهيم المواطنة وحقوق الإنسان في جميع المراحل الدراسية لتربية جيل يؤمن بالشراكة لا بالإقصاء.
في الختام نستطيع القول بإن حرب 7 يوليو لم تكن مجرد معركة عسكرية، بل كانت طعنة في قلب التطور المدني والاجتماعي لليمن.

























